من الأرواح المعذبة في متاهة سبعينات عدن شيخ الصحافة اليمنية صالح الدحّان، الذي حاولت مراراً رسم صورته بالكلمات، ولكنه دائماً يروغ من بين يديّ كما يروغ الزئبق، وأشهد أن لا أحد قاوم الموت حتى تخاله استعصى عليه كما فعل شيخنا الدحّان، قاومه بحب الحياة كأنما هو (زوربا) اليوناني في رائعة (كازنزاكيس) و (أنتوني كوين) قاومه بالسخرية المرة وقد رويت لقراء هذه الزاوية بدائع من تخريجاته ذات يوم، وسأروي لاحقاً ما يحضرني هذا اليوم، قاوم الموت أيضاً بالكلمات واللعب عليها كأيّ موسيقي خبير بالأوتار يدوزنها وهو مغمض العينين، وقاوم الموت بالأسفار حتى وصل إلى (بكين) في الصين أيام الثورة الثقافية العظمى وماوتسي تونج، ليس سائحاً ولا موفداً، وإنما معلّماً، يعلّم الصينين أصول الترجمة إلى الإنجليزية ، وكان مزاملاً للراوئي الكبير حنّا مينا، وقد شهدت ذات يوم لقائهما في بغداد، واستعادتهما لذكريات المرحلة الصينية.
وبعد الحرب اليمنية الأولى التي أعقبت مجزرة شيوخ الشمال التي أشرت إليها في زاوية الأمس رافقت شيخنا صالح الدحّان كصحافيين ضمن أول وفد ذهب إلى صنعاء من عدن، وكان برئاسة عبدالله الخامري وبحضور وزيري خارجيتي الجزائر وليبيا، وعلى إثر انتهاء تلك المباحثات التي لم تسفر عن شيء ملموس لأن المسألة كما يقول إخواننا اللبنانيون “ليست رمّانه، وإنما قلوب مليانة”، وبعد أن تقرر فتح مكتبين في كل من صنعاء وعدن، رأى الخامري أن لا أحد أصلح من صالح الدحان لتمثيل عدن، وكان قد قدّر أنه أصاب عصفورين بحجر واحد، فقد ارتاح من لسان صالح، وأسند إليه عملاً يمكن أن يفجر مواهبه الكثيرة المكبوته… ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
ذلك أنه في أحد الاجتماعات اللاحقة، وبحضور الوزيرين العربيين طلب صالح الدحان الأذن في الحديث فتوجه إلى وزير خارجية ليبيا قائلاً: “هل تصدق هذا الكذاب، مشيراً إلى صاحبه الخامري، أنه لا يريد وحدة ولا يحزنون، ثم استدار إلى الجانب الآخر، وهذا الكذاب أيضاً، مشيراً إلى عبدالله حمران وزير الوحدة في شمال الوطن آنذاك”، وبينما بهت الجميع وصاح شيخنا قائلاً للوزير الليبي: “يا أخي العزيز، اصرف لي 6 ملايين دولار، وأنا أعمل لك انقلابين، وأوحّد هذا البلد المنكوب”، وخرج وهو يصرخ: “بطلوا كذب على دقون الناس”.
وقد تعرّفت عبر صالح الدحان آنذاك على محمد أحمد نعمان الذي كان وزيراً للخارجية ولم أرى صالح ينجذب إلى أحد كما كان ينجذب إلى (الغوبة) كما يسمي صديقه النعمان، ومعناها العاصفة الترابية التي تسدّ الأفق، وكان محمد كذلك فعلاً بحيويته وطاقاته الهائلة على الحوار وقد اغتيل لاحقاً في بيروت وعندما نعي إلى والد الزعيم الحكيم أحمد محمد نعمان قال: “أما محمد فقد ذهب إلى ربه، إن خوفي الحقيقي أن يتمّ اغتيال بيروت” وقد كان، أما غسان تويني فقد جعل مانشيت جريدة النهار: “مات رجل الحوار”.