شر البلية ما يضحك – 31

تحدثت في زاوية الأمس عن الأيام السبعة (المجيدة) التي عاشت مدينة عدن أتعس ساعات عمرها في أحضانها الملتهبة، وقد أعقبت تلك الأيام التي كانت استعراضاً مثيراً للإرهاب (الشعبي) بتسليط جزء من الشعب على أجزاء أخرى تحت التهديد والوعد والوعيد، أعقبتها أيام وأشهر وسنوات عاصفة لم تلتقط أنفاسها (مؤقتاً) إلا عقب مقتل الرئيس اليمني الشمالي أحمد الغشمي في عملية جنوبية غادرة عبر حقيبة ديبلوماسية مفخخة حملها موفد رئاسي خاص.
ومن ثم تداعت الأحداث وتسارعت حتى أدت إلى إعدام الرئيس الجنوبي سالم ربيع علي، وهذه الأحداث تقع في منطقة (رمادية) من التاريخ مازالت تنتظر الجلاء وكشف الوقائع التي لا يعلم إلا الله وحده إن كان قد تم دفنها مع جثث (الأبطال) أم أن هناك بعض الأحياء ستستيقظ ضمائرهم ذات يوم ليرووا لشعبهم جذور آلامه وخبايا مآسيه.
والطريف أن شعبنا الذي أخذ يضحك من المصائب التي كانت تتنزل على رأسه كل يوم والذي نسي الأكل والشرب والملابس إلاّ ما يقيم الأود ويستر العورة، سرعان ما التقط إشارة أمل من نوع ما ترجمها في البداية أصحاب (التاكسي) الذي كان الواحد منهم ينادي على الركاب وسيارته خالية: “باقي نفرين… باقي نفرين..” (إشارة إلى ذهاب سالم ربيع وبقاء عبدالفتاح اسماعيل وعلي ناصر محمد) فيردد الجمهور معه النداء بفرح طفولي، حتى أصبحت النكتة على كل لسان، فلما أبعد عبدالفتاح اسماعيل إلى موسكو تغير النداء إلى: “باقي نفر.. باقي نفر…”.
وعلى ذكر الكساء والملابس روى لي الدكتور عيدروس صالح صادق، أنه حين حصل على بعثته الدراسية كان عليه للحصول على أربع (ياردات) قماش بنطلونات استحصال تحول من مكتب وزير الدفاع تبعته سلسلة توقيعات أخذت من وقته عدة أيام لتصرف له تلك الأمتار (الثمينة) من مخازن الجيش… والمفارقة لمن لا يعرف عدن أن هذه المدينة كانت مركز تموين عالمي لجزيرة العرب وشرق إفريقيا وأن أسواقها كانت تغص حد (التخمة) حتى أن جميع فواكه العالم كانت تباع في أسواقها على مدار العام دون أن يختفي أي صنف، وفيما بعد روى الأستاذ الشاعر محمد سعيد جرادة أنه قال لابنه منير: “ارسم لي يا ولدي (تفاحة) فاندهش الفتى الصغير وهو يسأل والده، وما شكل التفاحة يا أبي؟”.

وعودة إلى الأيام السبعة (المجيدة) وجذورها وفلسفتها فالشاهد أنها لم تكن شأناً محلياً خالصاً وإنما لها مصادر ملموسة ونصحاء معروفون، فقد ذهبنا نطلب الحكمة من (الصين) فعدنا بالضلالة، وذلك ما سوف نتكلّم عنه غداً.

اترك تعليقًا