كان أول اتصال مباشر بين عدن الثورة وصين ماوتسي تونج قد جرى قبل استقلال عدن عام 1967 حين ذهب كل من علي سالم البيض وعبدالله الخامري إلى بكين سراً عن طريق تنزانيا وهناك قابلا (لين بياو) الذي نصحهما بتدمير كامل البنية والبناء اللذين سيخلفهما الإنجليز لأن في تلك البنية والبناء تكمن عوامل الردة و (بكتيريا) الثورة المضادة ووعدهما بأن الصين الشعبية ستساهم بسخاء كبير في تشييد البنى الجديدة.
وطبعاً عاد (الرفيقان) البيض والخامري يبشران بـ (الثورة المستمرة) والتدمير الوشيك، ويبدو – والله أعلم- أن تلك النصيحة (الثورية) قد كانت إلى جانب عوامل أخرى سيكشف عنها الزمن وراء تغاضي المفاوض اليمني أو تنازله في محادثات الاستقلال التي جرت على عجل في الربع ساعة الأخيرة في (جنيف) عن التعهد البريطاني (المسبق) بتقديم ستين مليون جنيه استرليني على مدى 5 سنوات هي ميزانية (مستعمرة عدن) السابقة.
وكان ذلك المبلغ (الضخم جداً آنذاك) كفيلاً بأن يوجد أرضية معقولة لانتقال هادئ للسلطة ولكنه حتماً سيكون مشروطاً بعوامل استقرار واستمرار من نوع ما، لم يكن وارداً قبولها في ظل عقلية (التدمير) و (الثورة المستمرة)، والحديث الرائج آنذاك من أن عدن تصرف على لندن وقد قاد كل ذلك إلى إبطال دور عدن في التجارة الدولية وكانت ثالث ميناء في العالم ازدحاماً بحركة السفن، كما أدى ذلك إلى اختناقات اقتصادية منذ اليوم الأول للاستقلال وصولاً إلى الأيام السبعة (المجيدة) التي جاءت بنصيحة صينية (أثقل) من نصيحة (لين بياو).
وتفصيل ذلك أن الرئيس سالم ربيع علي قام بزيارته الشهيرة إلى الصين حيث تباحث مع الرئيس (ماوتسي تونج) الذي أبدى استغرابه في توجه ربيع لبناء (مؤسسات ثورية) مشيراً إلى أن هذه المؤسسات ستعيق حركة (الثورة) وتحولها إلى (دولة) مشغولة بهموم الحياة اليومية، بينما الهدف المركزي هو الزحف لتحرير (الجزيرة العربية) بكاملها، وحين يتم الوصول إلى النقطة الأخيرة ربما يكون الوقت قد حان لبناء المؤسسات.
المهم عاد الرئيس إلى البلاد وقد سبقه شعار (سالمين نحو الجزيرة… سالمين قود المسيرة) وكان أن بدأت المسيرة بالاتجاه إلى عدن بدلاً من الاتجاه شرقاً حتى وقف ذلك الصحافي الأجنبي مشدوهاً وهو يرى الناس تطالب بـ (تخفيض الرواتب) وقال: “إما أن هؤلاء مجانين، أو أنني المجنون” ولم يدر أن الذين رفعوا الشعار كانوا بلا رواتب أصلاً وكثر الله خيرهم أنهم طالبوا بالتخفيض لا بالإلغاء.
وقد انتاب الناس الخوف والقنوط حتى إن الشاعر الجرادة سمّانا (شعب ملك الزمان)… وما القصة؟ كان للملك فيل يخرج إلى الأسواق يعيث فيها فساداً، فأجمع الناس على مخاطبة الملك بشأنه، فلما وصولوا إلى بوابة القصر ترأسهم (جوقة ثوار) تصيح: “الفيل”، فيردد الجمهور: “آذانا”، ظهر الملك على الشرفة فصاحت الجوقة: “الفيل”، فانتاب الجماهير الخوف فسكتوا… وحين سأل الملك… ما للفيل؟ قالت الجوقة: “يا مولانا، فيلكم الوديع الطيب، يحتاج إلى فيلة تؤنسه، وقد قرّر شعبكم الوفيّ شراء الفيلة وهو يستأذنكم في البدء بجمع التبرعات”. فابتسم الملك وهو يقول: “بارك الله فيكم… على بركة الله”.
ويضيف الجرادة: “وهكذا بدل الفيل فيلين” ثم يضحم ضحكته الشهيرة ويقفز إلى وسط (الديوان) وهو يصفق ويصيح: “تخفيض الرواتب واجب”.