طوسان فريد بركات – 34

إشارة إلى زاوية الأمس وما جرى لزميلنا (فريد بركات) من تهذيب وتأديب وتشذيب للوزن عقب أن كتب وصيته استعداداً للإعدام في معسكر (فتح) الشهير بسبب فعلته المشينة في نسيان الميكروفونات علماً بأن النسيان مغفور حتى في الدين الحنيف لأنه خارج إرادة الإنسان.
وقد اتضح بعد ذلك أن (فرقة سالمين) ذلك الخليط العجيب من الفنانين والقتلة كانت تستمتع بهذه الهواية الغريبة يومياً في المحافظة الرابعة وأن ذلك الإجراء الذي اتخذ في العاصمة عدن لم يكن سوى تحصيل حاصل.
أنا من ناحيتي ظننت أن النسيان المشؤوم سيغادر فريد بركات إلى الأبد، ولكنني كنت واهماً، لأنه بعد حادثة معسكر (فتح) اتضح أن زميلي العزيز قد أدمن النسيان الذي كان يسميه أهل عدن (الطوسان) إدماناً تاماً، ويبدو لي الآن أن في ذلك الخير كل الخير أمام مآسي الحياة وظلم البشر، وتقلبات الزمان.
وقد حاز فريد بركات عقب شيوع مأساته على تعاطف واسع ضمن قطاعات واسعة من الرأي العام الأمر الذي ثبت أقدامه وعزز من مكانته القيادية ضمن التحضيرات الهائلة لمهرجان الشباب العالمي المقرر انعقاده في برلين بألمانيا الديموقراطية آنذاك.
وقد أبلى فريد البلاء الحسن حتى أنه استلف على (ذمته) الحلي الفضية القديمة المودعة في (المتحف الوطني) ليجعل بناتنا يظهرن بمظهر مشرف بين فرق العالم المشاركة.
وكان أن ذهب إلى برلين وشارك بفعالية إلا أنه أهمل استرجاع الفضة من البنات عقب انتهاء المهرجان ونسي الأمر تماماً.
وكان ما كان… مرت أيام وليالي والمتحف يطالب بالعهدة، بينما فريد حائر لأن الفتيات قد ذهبن بأرزاقهن إلى محافظات البلاد الست وليس لديه أي عنوان.
وهكذا تمّ إيقاف راتب الأستاذ فريد فكبرت المصيبة، حيث همس أحدهم في أذنه بأن المسألة قد تصل إلى المحاكمة إذا لم يبادر بالتصرّف، وطبعاً لا تذكر الحزينة البكاء ولا تذكر فريد بركات فتح وحبل المشنقة؛ لأن الذي لدغته الحيّة يخاف من جرّة الحبل.

ذهبت مع فريد إلى أبين لجمع ما تيسّر ليمكن رفع الإيقاف عن الراتب ريثما نتدبر الباقي وكان أن وفقنا إلى لملمة كم قطعة بعد عناء ويوم من الشقاء الأغبر ثم عدنا إلى عدن وتوقفنا في المنصورة في مقيل (العم) محمد مبارك جار محمد مرشد ناجي- الفنان الشهير – وفي اليوم الثاني اتصل بي محمد مبارك ليسألني إن كنت قد نسيت كيساً من الفضة، وعرفت ساعتها أن لا أمل يرجى من تخليص صديقي فريد بركات من (الطوسان) وإن معسكر (فتح) و (فرقة سالمين) لم يفعلا شيئاً سوى أن زادا الطين بلة.

اترك تعليقًا