في العام 1972 عقد المؤتمر العام الخامس للجبهة القومية، الحاكمة في عدن بعد أن سبقته تحضيرات شرسة تمثلت في محاكمات حزبية شملت الأحساب والأنساب والأقوال والأفعال وفتشت في الضمائر والنوايا وغاصت في الخبايا والزوايا.
وكان أسعد الحزبيين من لا حسب له ولا نسب فقد كانت القاعدة أنه كلما كان منبت المرء الاجتماعي في آخر درجات السلم كانت حظوظه في الصعود أوفر على أساس أنه يمتلك من الحقد الطبقي ما يجعله يتصدّى بشراسة لاسقاطات الماضي وتجلّياته.
ومن الجليّ أن هذا المفهوم السطحي الميكانيكي قد ألحق بالبلاد كوارث ستظل تعاني منها لعقود عديدة، وما أعمال الثأر ونزاعات الأراضي والأملاك هذه الأيام سوى أحد وجوه ذلك التسطيح الثوري الذي شرع لأعمال القتل وقطع الأرزاق والأعناق، ونفي الناس في الآفاق. وقد كشّر الرئيس سالم ربيع علي عن أنيابه الحادة في المؤتمر مصداقاً لقول الشاعر: “إذا رأيت نيوب الليث بارزةّ… فلا تظنّن أن الليث يبتسم”، فكان يشرف بنفسه ومن خلال أركان حربه على المحاكمات الحزبية التي قادت إلى انتحار بعض الأعضاء كمداً وحزناً، وإلى اعترافات علنيه منكسرة لدى البعض الآخر، وكان على الحزبي أن ينتقد ذاته حتى لو لم يجد فيها عيباً لكي يتطهر، وأن يتبرأ من قبيلته كما فعل أحمد ساعد حسين الذي تبرأ من (الحبوان) أو حتى يقتل أباه كما فعل (السقلدي) الذي طلب منه صالح مصلح أن يثبت انتماءه للثورة بهذا الفعل الآثم، ولا ذنب لأبيه سوى أنه كا من الشيوخ العارفين.
وكان علي صالح عباد (مقبل) الأمين العام الحالي للحزب الاشتراكي اليمني لا يزال تلك الأيام على يسار اليسار قبل أن يعيد الألمان صقله عبر دورة طويلة، ثم بعد ذلك حوالي 6 سنوات في سجن الرفاق جعلته يدرك أن الصخرة أصلب من الرأس، وقد استدعى الكادر الإعلامي ذات يوم إلى مكتبه الوسيع فكان أول ما فتح الله عليه بعد أن فرك عينيه طويلاً من آثار نوم كان كابساً عليه أن قال: “والله يا إخوان كلكم عملاء للسفارات الأجنبية باتبيعوا البلاد حتى بدون مقابل”، قلت له: “وهل لديك دليل”؟ قال: “أنت يحتاج لك قطع لسان، مكانك تعيش في أجواء القاهرة.. ما تعلّمت شيئ”.
كان (مقبل) في تلك الأيام قد تقمص اللهجة الشامية دون أن يذهب إلى الشام، وكان إحدى الآيات العجيبة في مطه للكلام والمبالغة في تعطيش الحروف، وعلى يساريته الزاعقة فلم يعرف عنه أنه كان دموياً بالفعل وأعتقد أن ذلك وراء استمرار دوره السياسي حتى اليوم.