فضل النقيب الذي عرفت – بقلم الأديبة سميحة خريس

عندما تركت الامارات راجعة إلى بلدي الأردن، اصطحبت ذاكرتي لستة عشر عاماً غنية بالمعارف والاصدقاء والعمل وبناء الذات، وكنت أعي أن هناك علامات فارقة في تلك المسيرة، كان فضل النقيب أبرزها وأكثرها سطوعاً ، كما لو أنه منارة في عتمة الحياة.
عندما وصلني نبأ انتقاله إلى رحمة ربه ذرفت الدمع وقد كنت ظننت أن تحجراً أصاب نفسي وجفافاً لحق بعيني وجبروتاً بروحي لا يحركه أمر، فإذا بنور المنارة وهو ينوص يهزني ويرجع إلى خاطري دفقاً من الذكريات.
من هو فضل النقيب الذي عرفت؟
زميل صحفي، هذا جانب، ولكنه كان نسيجاً مختلفاً لقد اقتربت من الانسان، وأزعم أني في مسيرتي المهنية في الصحافة ما تأثرت بكاتب ولا أفادني محترف ولا أخذ بيدي معلم كما فعل فضل النقيب، ولم يكن عطاءه هذا محدوداً، فقد ظل يفيض على زملائه بالكثير، منه تعلمنا احترام الكلمة التي نكتبها، كما تعلمنا المواقف الحرة، فقد كان يبدو لاهياً غير معني بتراتبية الكادر الوظيفي، بوهيمياً في توجهاته، مما جعله لا يحفل بعالم النميمة والدسائس، ظل ناصعاً حراً لا يطاله حزن عند تهميشه ولا فرح عند تكريسه، وقد شهدت له مواقفاً كريمة في الوقوف إلى جانب المظلوم، ومواساة المنكسر، والعجرفة على المتكبر إذا لزم الأمر، كنا نتعلم منه أن نكبر ونحن على تواضع، وأن نحب الجمال والخير والفن.

الأستاذ فضل النقيب مع شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني والأديبة الروائية سميحة خريس من الأردن
الأستاذ فضل النقيب مع شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني والأديبة الروائية سميحة خريس من الأردن

لا أنكر أنه قادني إلى أهم التجارب الابداعية وأن مكتبنا في القسم الثقافي في جريدة الاتحاد كان موقعاً لحوارات ثقافية رفيعة يمدنا خلالها بالمعرفة والوعي، وينبهنا فيها إلى جمال الحياة، ذلك إنه كان محباً للحياة قادراً على جعل العتمة تتلون، كما كان خجولاً إذا تعلق الأمر بما يكتبه من الشعر، وقد يغضبنا أن نرى أشباه الشعراء يعلنون بفخر عن نتاجهم بينما فضل النقيب يكتب في دفتر مدرسي صغير قصائد عبقرية ينساها في سيارته أو يضيعها.
عرفته وسط عائلته أباً محباً حانياً، وإن بدا لي ككل الرجال الكبار غير قادر على التعبير عن مشاعره.
غادرت الامارات وتجربتي الإبداعية تنضج، ولكن أعترف بفضل فضل النقيب عليها نقداً وحواراً وسيراً في الدرب التي تقود إلى كل قيمة جميلة.
رحم الله روحه الخفيفة المحلقة، ولنا منه الذكرى الطيبة .

سميحة خريس

One comment

  1. بالنيابة عن عائلتي وبالأصالة عن نفسي أشكرك يا أستاذة سميحة على هذه الكلمة الرقيقة الحانية عن والدنا فضل النقيب رحمه الله، الذي لم يذكرك إلا بالخير كلما عنيت على خاطره. ولكم أصبت في موضوع عدم توثيق الوالد لأدبياته وخصوصاً أشعاره، وها نحن ذا أولاء نحاول أن نجمع شتات إبداعاته من الجرائد والمجلات والمواقع والقصاصات لنضعها على هذا الموقع المتواضع، لعلها تدوم فترة من الزمن، ويستفيد منها القراء. وشكراً مرة أخرى…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s