يعلو الشعار وينحطُّ الإنسان

ما من أمةٍ على وجه البسيطة تبزنا في صك الشعارات وتدوير الكلمات، ولكننا من أقل الأمم التزاماً بما نعلنه، فكم من شعار رنان مموسق دفن تحت تراب النسيان والتجاهل، وربما الازدراء لأن القول حين لايصدقة الفعل ينكره المعنى ويصبح من سقط الكلام “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.
وفي عصر الثورات التي تكشفت عن قبض الريح وباطل الأباطيل، سفحت الشعارات حتى ملأت الوديان والوهاد وغمرت النفوس بفجر كاذب، ولو تحقق العشر من وعودها لكنا في خير عميم آمنين مطمئنين “أولو قوة وبأس شديد” لا تتداعى علينا أمم الأرض لأننا كغثاء السيل، لا ماء فيشرب ولا حطبا فيحرق، ولا رزقا حسنا فيؤكل، أين أصبحت شعارات مثل: التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن”، وأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، ومن المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، ونسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا، ومن كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته، والإسلام هو الحل و”واجب علينا واجب.. خفض الرواتب واجب” حرق الشياذر واجب”.. الخ. 
لقد أتقنت الأنظمة ونخبها صك شعارات التمويه وتسويقها ثم بناء منظومات قانونية عليها ما أنزل الله بها من سلطان تقود بها المخالفين إلى المشانق وتجردهم من الوطنية وتنزع عنهم حقوقهم الإنسانية، وبذلك يعلو الشعار وينحط الإنسان، وقد سلمت الشعوب مرغمة بالواقع المرير وتعاملت معه على أنه شر لا بد منه.. فالأمة الواحدة تشرذمت ووجهت بنادقها إلى صدور بعضها، والتعليم ترهل حتى أصبحت المدارس تخرِّج أميين امتلأت بهم شوارع البطالة، والمحيط الهادر استكان لمخاوفه وتطامنت أمواجه، فيما الخليج الثائر يعيش على صفيح ساخن بين نعمة أو نقمة النفط وطمع الطامعين وتربص المتربصين، والأنظمة تعادي من يسالمها، وتسالم من يعاديها، وعلى رأي أحمد مطر: الناس ثلاثة أموات في أوطاني. والميت معناه قتيل. قسم يقتله (أصحاب الفيل) والثاني تقتله (إسرائيل) والثالث تقتله (عربائيل) والله اشتقنا للموت بلا تنكيل.. أنقذنا يا عزرائيل.
أما الاشتراكية العربية وشعارها الخالد المستعار من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته فقد أكلت الأخضر واليابس والطريف والتليد، هدمت ما كان ونسيت ما يكون ولم تكتف بتأميم الأرض والأرزاق والعمران وإنما أممت الإنسان وجعلت منه متهما حتى تثبت براءته وعميلا حتى تتأكد وطنيته، ولصا حتى تبين نظافته. وجاء من بعد ذلك حزبيون مسيسون باسم الإسلام يرون كراسي الحكم والنعيم، قد حان قطافها بعد أن فشلت الأنظمة وانحطت الدعوات القومية إلى درك القطرية، فالحزب القائد، فالرئيس الضرورة وهلم جرا، وبعد أن تلاشت ريح اليسار وأصبح ماؤه غورا، ولكنهم كسابقيهم رفعوا الفتوى وأضاعوا التقوى فعملوا على إيلاج الإسلام برحابته وإنسانيته والرحمات المنزلة في آياته وعلى نبيه في نفق السياسة المظلم المليء بالثعابين والحيات والمؤامرات وأطماع البشر فتحول الدين الحنيف على أيدي دعاتهم المختفين إلى ساحة للقتل المجاني والسيارات المفخخة وقتل الأبرياء في الأسواق وتدمير البنى الاقتصادية وتكفير من يخالفهم، وهكذا اشتعلت الأوطان نارا فمنها ما تقوض ومنها من ينتظر، وهذا استكبار في الأرض وتكذيب بالآيات وخروج على سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق “إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وكذلك نجزي المجرمين” صدق الله العظيم.
الأوطان لا تبنى بالشعارات وأطماع الطامعين ومزايدات المزايدين وأحقاد الناقمين، وإنما تبنى بالإخلاص والعمل الصالح ورعاية الإنسان وصون الحقوق ورفع موازين الحق والعدل لتطمئن النفوس ويأمن الناس وتتراكم الثروات ويحل التعاون بدلا من التنازع والتراحم بدلا من التناقم والمواطنة بدلا من الحزب والقبيلة والمذهب، والوفاء بالعهد “إن العهد كان مسؤولا” بدلا من المكايدات والخلف الذي هو من علامات النفاق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s