لا يأس مع الحياة

لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس. لطالما رددنا هذه الكلمة المنسوبة إلى الزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي كان ملء سمع الدنيا وبصرها في فترة الاحتلال الانجليزي لمصر نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وكنا في النصف الثاني من القرن الماضي مأخوذين بالهالات والإشعاعات الصادرة عن الإعلام والرواد والبلغاء والقادة والمصلحين المجددين حيث كانت البشائر تشير إلى عالم وشيك البزوغ من حقبات الظلام والجمود والاستلاب والقهر بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وانكشفت القوى الاستعمارية التي أنهكت بعضها البعض لتحل محلها قوى جديدة فتية في أمريكا وروسيا والصين والهند وغيرها وجميعها بشر الإنسانية بالأخوة والعون المتبادل والسلام ولم تلبث الأحلام إلا قليلا إذ نشب الصراع مجددا وانقسم العالم إلى معسكرين رئيسيين وكان السلاح الذري الذي سبق له إحراق اليابان هو الشبح الجديد الرادع الذي تسابق إلى حمأته الأقوياء وذل له الضعفاء الذين كان نصيبهم من الغنيمة عبء النهوض بالحروب السرية بالوكالة عن السادة، وبدلا من الطعام والدواء والكتاب المنتظر جاءت الأسلحة الفتاكة وخبراء التدريب على القتل والجواسيس الذين يرصدون الأنفاس على مدار الساعة فمن حاد عن الطريق المعوج أو استعاد بعضا من العقل أو فهم معنى الوطنية الحقة غير المرتهنة أردوه قتيلا وألبسوه تُهم العمالة والخيانة ليخلفه من هو أسلس قياداً وأشد انقيادا حتى أصبح اليأس لباسا الحياة وولدت أجيال لم تعرف الأمل ولم يراودها الحلم، وكان أدعياء المعرفة التابعون من جهابذة الجهل، قد تصدوا للمسيرات والانقلابات وأعمال الغدر والاغتيال وإدارة السجون والمعتقلات وأقبية الاستخبارات، يأكلون الفتات الذي يرمى إليهم من عواصم الاستعمار الجديد، وبذلك سقطت المعرفة الحقة والعلم النافع والإبداع وتحللت القيم النبيلة وانهارت المنظومات السلوكية وتمزقت البنى الاجتماعية وتقوض الاقتصاد المنتج حتى أصبح الشغل الشاغل للناس الحصول على لقمة تسد الرمق وأن يحسوا بقدر من الأمان ما بين المغرب والشروق حيث زوار الفجر الذين يختطفون الناس من مراقدهم ويلقون بهم خلف الشمس. لم تهنأ المستعمرات السابقة باستقلالها ولم تفق البلدان المتخلفة من تخلفها ولم يستعد الإنسان إنسانيته إلا في الشعارات التي يرددها الأدلاء الجدد الذين أدخلوا الشعوب في متاهات أين منها متاهة بني إسرائيل في سيناء:
ومن كان الغراب له دليلا
يمر به على جيف الكلاب
ولعل الاستاذ أحمد محمد نعمان الذي جرى إلقاؤه في السجن وهو رئيس للوزراء قد عبر أبلغ تعبير وفق ما ذكر أنه كتب للرئيس جمال عبدالناصر من زنزانته “يا سيدي: لقد كنا نطالب بحرية القول والآن لم نعد نطلب سوى حرية البول” ذلك إن قضاء الحاجات الطبيعية في الجون مقيد ومرصود بالدقائق والعيون الكاشفة المفحصة، ولا تسأل بعد ذلك عن النظافة والظروف الصحية.
لقد دخلت شعوب بكاملها سجونا من القهر والحرمان واليأس وعذبت بأيدي شراذم ضالة من أبنائها وحيل بينها وبين أرض الله الواسعة، وتطور نظام الرهائن الإمامي الذي كان يأخذ ولدا يتكفل بإطعامه وإشرابه إلى نظام الرهائن الجماعي فعائلة الشارد كلها رهينة دون أن تعطى أكلا أو شرباً أو متاعا أو تلقى أي نوع من الرعاية.
اليوم تمر الإنسانية بحقبة انتعاش ثالثة بعد حقبتي الاستعمار والحرب الباردة والاستقطاب الدولي، ولكن النهوض يحتاج إلى الوعي والاستنارة والتربية الأخلاقية العالية والانضباط الوطني الملتزم وتحديث وسائل الحياة تمشيا مع العصر الذي يعيش أخطر وأهم الثورات العلمية. إن إهدار الزمن جريمة لا تغتفر، واللّدد في الخصومات والخلافات يدل على بؤس العقل ورداءة السلوك وخبث الطوية ويؤسس لثقافة القتل والإلغاء التي تعود بالجميع إلى المربع الأول حيث “لا يدري مقتول من قتله ولماذا قتله” على رأي صلاح عبدالصبور.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s