في الهواء الطلق

“أهل السّلا في سلاهم وأهل المساجد يصلّون”، هكذا هو الحال في عدن التي لا تجري من تحتها الأنهار، فهي تتعمّد بالعرق كلّما وجدت إلى ذلك سبيلا.

المساجد تتنافس في الدّرس والقراءة والوعظ، ومكبرات الصوت على الآخر، وكل واحد يسمع أخاه نظراً لتقارب المساجد، فيأبى أن يكون أعلى منه صوتاً وأشد نفيراً، وجوقات الأطفال تتردد بنشاط ما ثبت على ألسنتها ووقر في وعي تنغيمها، فيما كبار السن – الذين يضعون أعينهم على الثواب والعقاب، ويتزودون من خبز الزاد – يبسملون ويحوقلون ويتمتمون طالبين الغفران وحسن المآب، وعلى الأرصفة وحيثما كان هناك متكأ لحجر – كما حول نافورة الميدان حيث ضجيج سائقي التاكسيات – يتكئ المخزنون على الحجارة كأنما على أرائك من إستبرق، لا تكاد تسمع لهم حسيساً، فهم في شُغل شاغل، قد تعالوا عن الأرض، وأوغلوا في سماوات غير سماوات المصلين، وفي جنبات الميدان حيث باعة عصائر الليم والزنجبيل يتركنون، وباعة (التمبل) الهندي يتفنون ، تجد السائلين الذين يحفظون أبعاد الميدان عن ظهر قلب، يتخذون لكل حالة لبوسها حسب تقديرهم لوضع (الزبون)، فهذا المدخل إليه بالاستعطاف، وذاك بالاستلطاف، وذلك بتبشيرة بالجنة، وآخر متجهّم بتخويفه من النار، وعينة بالدعاء المستجاب، وفي جيب كل واحد دواء فارغ يقول لك لا أريد فلوس، اشتر لي هذا الدواء، ثم يقسم الأيمان المغلظة، وبدلاً من شراء دواء يكلف المئات وربما يفوق الألوف، تمنح المائة ريال أو الخمسين فيكُفَّ عنك، أما إذ لم تواسيه فسدّ أذنيك فقد تأتيك شتيمة غير متوقعة – والعياذ بالله – وبعدها ليس من المعقول أن تخلع ساعتك وتحل قميصك وحذاءك لتدخل في عراك أنت الخسران فيه، حيث لا أبطال ولا بطولة، وإنما رثاء السابلة لهذا المعتوه الذي حطّ رأسه في رأس طلاّب الله يعلم بحاله، يا أخي عيب، وأما السائل فلا تنهر، شتمني يا خلق الله، المسامح كريم {وقولٌ معروف خيرٌ من صدقة يتبعها أذىً}، تشعر أنك ارتكبت غلطة العمر ووجب عليك مصالحة نفسك ومصالحة السائل، فتسترضيه بما تستطيع فيقول لك: “ما كان من الأول، قلنا يا عباد الله قلتوا اخرجوا من البلاد، هذا من حق الله مش من حق أبوكم… كله للجيوب للجيوب ما با تشبعوش، صحيح إن البني آدم ما يملأ عينه إلا التراب”.

وعلى أسوار المعلا العلوية تحت حي الشيخ إسحاق أسرابٌ من البشر كأنهم بنيانٌ مرصوص، جبل شمسان أمامهم والبحر من ورائهم، وأنوار السيارات من المغربية حتى آخر الليل في عيونهم، وهم ليسوا بأي من هذه الآيات مبالين، زمراً زمراً، يحتلون الدرب فبين أيديهم (أبو زربين) يستحلبونه لا تدري منذ متى وإلى متى؟ وتشعر أن هؤلاء إذا قامت القيامة فسيصونون ما تبقى في المنديل خوفاً عليه من الهواء أو من غنمة شاردة قبل أن يدخلوا مع الناس في سكرات الموت. وهكذا على الشواطئ وفي منحدرات جبل صيرة. سألت شيخ المنجه الذي أقام له تكية أمام محله في الميدان -وكانت الساعة الحادية عشرة ليلاً – ويبدو أنها كانت ساعته السليمانية: “منذ متى يا أخا العرب على هذا الحال؟” أجاب – بعد أن حرّك الكوفية الزنجبارية الفاخرة إلى الأمام ثم أمالها: “منذ الظهر”، وكانت له عينا ذئب، واحدة على المشرب والأخرى على المارة، أما هندامه فهندام عريس” إذا لم أتزين للتخزينة لمن أتزين؟”، عنده حق، فعدد العيون التي تقع عليه في هذا المكان الاستراتيجي أمام مقهاية زكو أكثر من تلك التي تقع على عريس في مخدره، أو شهيد في معركة، فكيف إذا كان بينها “عيون المها” اللواتي يجلبن الهوى من حيث يدري ولا يدري. أجنبيان معهما زميلة نصبا الكاميرات للتصوير، والمرأة تحدد مجال اللقطات: عامة، بورتريه، عيون فقط، أشكال وألوان من البشر، مجانين عقلاء، وعقلاء مجانين، قطيع من الغنم للبيع بمناسبة العيد، باعة سمك وقات وخردوات وأي شيء من أي شيء، ووجوه نظرة، وأخرى ترهقها قترة، أين ستجد الكاميرات عالماً في الهواء الطلق يرحّب بها في سعادة بالغة؟.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s