عدن … عدن

عدن: أنداء التاريخ وأوزاره ومباهجه وأسراره، في خلقها سرٌّ مكنون، وفي ناسها لطفٌ مصون، يجور عليها الزمن فتنبعث من رمادها مجلوّة قشيبة، وتعود إلى عرشها ملكة متوّجة حصيفة، وعرشها دائماً القلوب في البكور والآصال، وليس الأحجار والرمال، على الرغم من وفرة جبالها وشموخها وامتداد صحراواتها وغموضها؛ حوّطتها الأساطير منذ بدء التكوين فوهبتها إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، وطُرّزت أطرافها بالواحات الخضراء، وسمّتها وسمستها بالأمواج الزرقاء، والزبد الأبيض الناصع. لكم استماتت هذه المدينة في الدفاع عن هويتها ورفاهها المهدد عبر العصور، لذلك تجد واجهاتها الجبليّة المتجهة إلى البر ومداخلها البحرية مطرّزة بالقلاع الحربية والدروب السّرية، ومخازن الأسلحة والغذاء، وهذا لا يعني أنها تكره الغرباء، فجذورها في الإغتراب ضاربة يأتيها المهاجرون واللاجئون والحالمون بالثروة من كلّ فج عميق، ولكنها تطلب الموت ضد غزاتها لكي يهب الموت لها الحياة.

ورّطتها الجغرافيا – التي لا يمكن تبديلها أو تحويرها – حين وضعتها في وجه اليمن وواجهته عيناً متيقظة وقلباً متوثباً وقارباً على أهبة الإبحار والرحيل، يستكشف المحيط ليعود إلى مرافئها الآمنة في صيرة وحقات والمعلا والتواهي ورأس مرباط وعدن الصغرى. تأتيها الواحات بخمائلها، وترفدها الرمال بمياهها المخزونة في الخزّانات العظمى منذ ملايين السنين، ويهبها البحر أنسامه وثرواته كما يرفدها بكل جديد حول العالم، حين كانت القوافل وسائل مواصلات، كانت أسواقها الملاذ النهائي لتلك القوافل:

تقول عيسي وقد وافيتها سحراً=لحجاً وبانت لنا الأعلام من عدن

أمنتهى الأرض يا هذا تريد بنا=فقلت كلا ولكن منتهى اليمن

وحين حان وقت بواخر النقل والركاب – التي دَشّنت العصر الحديث – كانت مركز الطاقة في قلب العالم، وسُمِّيَ مينائها (Steamer Point)، أي مركز البخار، وهو الطاقة المعجزة في عصره، ثم جاء البترول ليخلف الفحم الحجري، فكانت عدن الصغرى (Little Aden) ومصفاتها وميناءها ونطقة الجذب الجديدة لأبناء اليمن الذين حازوا الخبرات، واطلعوا على جانب من أسرار الحضارة، ثم جاء النقل الجوي، فكان مطارها أنشط مطارات المنطقة. عدن لا تضيق بالناس ولكن الناس يضيقون بأنفسهم، والحكومات تنغلق فتضيق على البشر لأنها لا تعلم كم من الخير يجلب العمران، ولا تطبق مبدأ “إربح قليلاً تكسب كثيراً”:

لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها=ولكن أخلاق الرجال تضيق

عدن محاطة بأراضٍ خلاء في كل الاتجاهات، لو توفرت فيها مقوّمات العيش والبنية التحتية لاتّسعت لكل سكان اليمن. عدن ليست تلك المدينة المحصورة المختنقة من أطرافها، وإنما هي الفضاء غير المحدود، يمتد من (شمسان) إلى آخر (التهائم) إن كان لها آخر.

عدن واحة الفن الذي يأخذ بالألباب، وأم المساجد التي تتردد نداءاتها بين الجبل والبحر، وأم الطيور من المساكين، تأتيها جياعاً وترحل عنها تباعاً. المدينة التي ينفتح لها القلب من أول نظرة كالحب العذري. كم أنا آسِفٌ أن هذه اللؤلؤة الثمينة يمر بها أناس صمٌّ بكمٌ عمي، لا يتذوقون جمالها مع أنها في بيتها الأزلي ينطبق عليها قول الشاعر لمحبوبه:

إن بيتاً أنت ساكنه=غير محتاج إلى السُّرُج

قد تكبو عدن، ولكلّ حصان كبوة، ولكنها ستستعيد العافية والنماء، أنا شخصياً أعاني عدن كلما وردتها ظمآناً، فلا أجد مواردي المعتادة الأثيرة عقب طول غياب أنا مسؤول عنه، حتى رحل الأحباب، وكانوا سلوتي وسنادي وسمّاري ونُداماي:

ذهب الذين أحبهم=وبقيت مثل السيف فردا

ذهب عمر الجاوي: رجل الدنيا وواحدها، الأستاذ جرادة: نسغ الشعر والملاحة واللطافة، عبدالله فاضل فارع: العين الناقدة والقلب الجسور، القرشي عبدالرحمن: طفل السعادة والألم، سلطان ناجي: غازل الحرير والروح المضياف، د. عبدالرحمن عبدالله إبراهيم: الزاهد في الدينا والحادب على المستضعفين والصابر على موته في الحياة، لكم أنت فاتنة يا عدن قاتلة ومقتولة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s