ذكريات “غاربة”

حقات
حقات
أمرّ على الديار ديار ليلى=أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي=ولكن حبّ من سكن الديارا
أنا على العكس من المجنون، مشغولٌ بالجدر والظلال، “أما الأحبة فالبيداء دونهم، فليت دونك بيداً دونها بيدُ”، أتجول في عدني: عين على القلب وعين على الذاكرة النازفة المجهدة، أصل إلى شرفة الذكريات والشغف في صيرة خلف مصنع (النمليت والثلج) القديم، أكتشف هناك طريقاً صاعداً إلى القلعة، حارسة المدينة منذ الأزل، طريق حديث للمشاة، مريح ومرتب، ملحقة به مساحة ممهدة لوقوف السيارات، لمسة جميلة بلا شك، الساحة غير مضاءة، والأمواج البيضاء تضرب جنباتها برفق أحياناً وبعنف أحياناً أخرى، كأنما العلاقة بينهما “ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب”. الأفق البحري ممتد غير مبال بمن جاء أو راح، والسماء مليئة بالنجوم التي لن تجدها في أي إطلالة بحرية أخرى، ففي هذه الليلة ظلام كثيف يمتد بين البحر والسماء بما يجعل النجوم تتلألأ في مهرجان من المعاني “ليلتي هذه عروس من الزنج… عليها قلائد من جُمان، آه يا وطن النجوم والأهلة والدموع”:
وطن النجوم أنا هنا.. حدّق… أتذكر من أنا
أذكرت في الماضي البعيد… فتىً غريراً أرعنا
فلكم تشيطن كي يقال تشيطنا
كانت السماء ضحوكاً في الليلة القمراء وزبد البحر الأبيض الناصع يعتذر عن الأمواج المتجهمة خلفه، وما بين صخب الزبد وادلهام الموج تأتي أناشيد ساحل أبين، حاملة أنغام الزمن من عمق المحيط بلسماً للجراح، ومواساة للروح، ونداءً غامضاً لعرائس البحر المتيمة الباحثة عن عشاقها الذين خرجوا ولم يعودوا: “حامل الهوى تعبُ، يستخف الطرب، إن بكى يحق له، ليس ما به لعب، تعجبين من سقمي، صحتي هي العجب”. أتوكأ على عصاي دون أن أهش بها أو تكون لي مآرب أخرى، أقول لإبني: “أخرجني من هذا اليم، إن كنت صديقي ساعدني كي أرحل عنه، أو كنت حبيبي ساعدني كي أشفى منه…”. غادرنا شرفة النجوم، وعبرنا الجسر الجديد بمحاذاة مظلة سوق الصيد المكشوف في الهواء الطلق، حيث ترعى ظباء البان في مراعي القلوب، ولكنها لا تُروى ولا تروي، لأنها لا تتعامل بالمجاز: “يا ظبية البان ترعى في خمائله… ليهنك اليوم أن القلب مرعاك… الماء عندك مبذول لشاربه… وليس يرويك إلا مدمعي الباكي”. يختفي البحر تحت وطأة ما استُحدث من منشآت امتدت حتى حوافيه، وحجبت الرؤية، لكم يحتقر البشر الجمال حين يحتكرونه ليشتروا به ثمناً قليلاً، وكم تقصّر السلطات حين تتراخى وتضعف وتقول: ليس بالإمكان أبدع مما كان، البحر مُشاع للناس جميعاً كالماء والهواء ولذلك جرى الإضطرار في ساحل أبين عندما تجاوزت التعديات على البحر حدود الماء أن قامت الجهات المعنية بردم البحر مجدداً لإيجاد كورنيش انتزع بالنفوذ وبالمال وبالقانون الوضعي الذي جهل حدود القانون الطبيعي، ولا بُدّ مما ليس منه بد.
قلت فلنذهب إلى حقـّات، الرئة العظمى لكريتر، وسأستعطف الجنود الذين يغلقون باب حقات منذ سنين ممادية أن يسمحوا بإلقاء نظرة مودّع، فهناك سينما بلقيس الشهيرة، والمسبح الذي علّم شباب المدينة من جيلنا السباحة، والشاطئ الجميل المحمي في هلال على هيئة خليج ساحر، وكانت المفاجأة السارة أن لا أحد في الباب، فهو مفتوح على مصراعيه، فعبرنا نصف المسافة باتجاه جبل (معاشق) الذي كانت سفن الزمن القديم تعشق بجانبه، وتلقي مراسيها، فوجدنا نقطة عسكرية خفيفة تمنع التوغل أكثر… لا بأس، “كازوز ولا الظلمة”، والكازوز باللهجة اليافعية خشبة تشعل من طرفها للإستضاءة التي تكون في العادة ضعيفة ولكنها بالقياس إلى الظلام استنارة معقولة في ظرفها، ثم إن أو الغيث قطرٌ ثم ينهمر، فقد لاحظت وجود هدم وتسوية لمنشآت عتيقة. شممت رائحة البحر من مكاني، ولكنني لم أره، عدنا أدراجنا فتوقفت أمام معهد البيحاني (المعهد العلمي الإسلامي) الذي درست فيه، والذي اختنقت ذات عهد عندما تم تحويله إلى وزارة الداخلية، فبكت عيني اليمنى، فلما زجرتها عن الجهل بعد العلم أسبلتا معاً.
تصوّر!… من منارة علم إلى أقبيةٍ يخرج منها المواطن وهو لا يعلم من بعد علمٍ شيئاً. رحم الله تعالى شيخنا محمد بن سالم البيحاني، الرجل الضرير الذي طاول بهامته وبُعد نظره جبل شمسان، كان يقول لنا: “كيف تسير الأمور يا شباب؟”، فنجيبه: “على قدمٍ وساق”، فيضحك وهو يقول: “يعني عرجاء”، فالإنطلاق ينبغي أن يكون على قدمين وساقين.
وللموضوع صلة…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s