لكلِّ حصانٍ كبوة

فُطر الإنسان على حب السلطة والتشبث بها وبكاءها حين تذهب أو يعجز عن ممارستها، ودرجات السلطة لا تعد ولا تحصى، من السلطات العامة إلى السلطة الخاصة في المنزل والشارع والنادي والمقيل، حيث لكل وجه كرامة وحيثما يممت وجهك أو ارتدت أيّ مجلس ستجد السلطة مجسدة أمامك في شخص يدعي لنفسه الكلمة الفصل أو أنه يحوز ملكة الفتوى وبصيرة الرؤية وتقره المجموعة، وعلماء النفس يشخصون قيادات الرأي العام من منظور السطوة الفكرية أو النفوذ المالي أو الجاه والمكانة ولذلك ينصحون من يهمه الأمر إذا أراد إمرار سياسة معينة الاتجاه إلى أولئك القادة الذين يعملون بالغريزة كالراعي في القطيع، البعض يملك قطعاناً بالآلاف، والبعض بعدد أصابع اليد، وبين هؤلاء وأولئك قطعان متفاوتة وقيادات متباينة، ومن ينظر إلى التاريخ ويتمعن في نجومه يجد العجب العجاب، حيث لا يوجد “طاهوش إلا وله ناهوش” وفقاً للمثل اليمني، ولا توجد مهنة ولو كانت “قطع الطريق” إلا ولها مقدمها وكلمته هي الكلمة.

وفي الحكايات أن ضابطاً متأمّراً متغطرساً في أحد الجيوش الغازية أحيل إلى التقاعد فافتقد سلطة الأمر والنهي على جنوده وعلى عباد الله الذين يمشون على الأرض هوناً فأصيب بالاكتئاب ثم هداه الله إلى حيلة نفسية فاشترى مجموعة من أكواز الماء صبغ كل واحد منها بلون مغاير واتخذ له ركناً في السوق يبيع فيه الماء فإذا أمسك المشتري بالكوز الصبوغ بالأسود شخط فيه ونخط وهزّ الخيزرانة في يده آمراً إياه بوضع الكوز الأسود وأخذ الأصفر أو الأبيض، وهكذا.. علماً أنها جميعاً بأحجام متساوية ومحتواها واحد من بئر واحدة، لا مقطّر ولا مبخّر، وهكذا ذهبت عنه الكآبة وأحب مهنته الجديدة.

أمس قرأت تصريحات ظريفة للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون قال فيها: إن الأمر لو كان في يده لما غادر البيت الأبيض إلا على نعش لأنه عشق منصب القائد الأعلى، وقد تحسّر على أن الدستور الأمريكي لا يسمح سوى بولايتين للرئيس أي ثمان سنوات هي في عمر عاشق السلطة كومضة البرق، وعلى طريقة الثعلب الذي لم يستطع تسلق الكرمة لأخذ عنقود العنب حين سُئِلَ عن هذه الخيبة فقال: إنه عنب حامض غير مستساغ، أما كلينتون فقال إنه سيترك السياسة لزوجته وللرئيس أوباما، يعني مكرهٌ لا بطل، وقبل أيام نقل محامي صدام عنه قوله لرفاقه في قاعة المحكمة: حين أعود إلى السلطة سأصلح العراق في عدة سنوات وسأجعله يسير بدقة الساعة السويسرية، علماً أنه قد أدار العراق أكثر من ثلاثين عاماً بدقة ساعة بج بن، ولكن النتيجة كانت الخراب العظيم والعبرة بالنتائج ولا معول على النوايا، ولا شك أن هتلر الذي كان يسحر الملايين وهو يهتز على المنابر مثل اهتزاز الرماح قد فكّر في “عش النسر” حيث انتحر وأنهى حياته، إنه لو عاد إلى الحكم لضبط ألمانيا كالسيارة المرسيدس فخر الصناعة الألمانية، ولكن هيهات فذلك من باب عشم إبليس بالجنة، الرئيس جاك شيراك لم تغفر رئاسته لفترتين ما قيل أنه ارتكبه حين كان عمدة لباريس فصرف من أموال الدولة على حزبه عبر وظائف وهمية ورغم أن سياسيين كثيرين قالوا: إن محاكمته تسيء إلى سمعة فرنسا إلا أن القانون لا يعترف بالمكانة الخاصة فهو كما رسمه الأوائل امرأة معصوبة العينين في يدها الميزان، أي أنها لا تنظر إلى وجوه الناس ولا إلى مقاماتهم، ولدى القانون لا تزر وازرة وزر أخرى.
الخلاصة من هذا الحديث الطائر هي أن كل قائد من قادة الرأي العام يتحمل أمانة لا بد من الوفاء بها وتأدية حقوقها، وتلك هي الهيبة التي ما بعدها هيبة، والسُّلطة الحقيقية التي لا يبليها الزمن، ولقد سبق لكلينتون أن وقف أمام القانون والمحكمة والقضاة في قضية “مونيكا لوينسكي” التي أخذت عدّتها لإغراقه ولكن الله لطف وبفضل دعاء الوالدين، وقد تناسى الرأي العام بعد ذلك تلك الزّلة على أساس أنه لكل حصان كبوة، ولكل عالم هفوة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s