عرب المعرفة

تقرير موحش وكئيب عن حال المعرفة في الوطن العربي أطلقه الأسبوع الماضي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالإشتراك مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وذلك خلال المنتدى الإستراتيجي العربي الذي انعقد في دبي، والتقرير من النوع فجائع الدهر التي قال عنها الشاعر:

أمورٌ يضحك الجهّال منها=ويبكي من عواقبها الحليمُ

وللحق فإن التقرير – على قتامته – لا يفاجئ أي متابع حصيف لأوضاع المعرفة التي تعدّ في صلب النهوض الحضاري والإبداع العلمي والتنور العقلي، والسير الحثيث في ركب الإنسانية المتطلعة إلى تجاوز كل التخوم المعروفة والموروثة، والتي تصل الليل بالنهار لتحقق لشعوبها مكاناً مرموقاً تحت الشمس، وتُعلي من قيمة الإنسان، وتعمل على إسعاده وتوفير العيش الكريم له.

نحن في مواجهة مضمون التقرير الذي اعتمد لغة الأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل، كأهل مكة الذين هم أدرى بشعابها “وصاحب الدار أدرى بالذي فيه”، فأحزابنا القائدة مشغولة في وحل السياسة اليومية ومناوراتها القصيرة النظر، والتي تنطفئ واحدة تلو أخرى كفقاقيع الصابون، والنخب التي يُفترض فيها أنها تقف في الصفوف الأولى، تتسول لقمة العيش وتنشد الأمان وتحجر على نفسها التفكير الحر والبحث العلمي والمغامرات الجسورة، ومَثـَلُها المفضل هو: “إذا كنت مبصراً في بلاد العوران افقع عينك”.

أما الستين مليون أمي الذي رصد التقرير عديدهم فأغلبهم قنابل موقوتة تنتظر صواعق التفجير وفتاوي التكفير، وما أكثر الذين يخوضون في مياهها الآسنة، يقلبونها ذات اليمين وذات الشمال عبر الفضائيات والإذاعات والإنترنت، فيما الحكومات تقف عاجزة مشلولة كذلك الذي داهمه السيل على غفلة فهو لا يدري أين طريق النجاة، ذلك أنها قد فرطت منذ زمنٍ طويل في مسؤوليات الحكم وأماناته، وفي العقد الإجتماعي بينها وبين الشعوب، واعتبرت الكراسي والأموال العامة مغانم حتى تلاشت الثقة بها، فسقطت من أعين الناس الذين يدين عدد كبير منهم – بعد اليأس – بدين ملوكهم، فينهبون ويظلمون ويغشون ويكذبون، وبذلك يعم الفاسد في الأرض {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}. صدق الله العظيم.

عودة إلى بعض المؤشرات الرقمية للتقرير: 9 ملايين طفل في عمر الدراسة يوجدون خارج المدارس، ولو تعمق معدّو التقرير أكثر لوجدوا أن الملايين الأخرى الذي يتواجدون داخل أسوار المدارس لا يتلقون من المعرفة سوى القشور التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وأن أسعد لحظات يومهم هي لحظة الإنطلاق إلى الشارع من سجن المدرسة، فتراهم يتدافعون {كأنهم حمرٌ مستنفرة فرت من قسورة}. يرصد التقرير حال المبتعثين – الذين تصرف عليهم الشعوب دم قلبها ليعودوا سياجاً للأوطان – فيشير إلى أن 45 منهم لا يعودون، ولو تعمق التقرير لرصد حال الـ 55% العائدين وكيف أن أحوالهم في الوطن كالمُنـْـبَتّ “لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى”. أكثر من 40% من الشباب بين سني الـ 15 و 25 عاماً لم يتخطوا عتبة التعليم الأساسي، ولو أنصف التقرير لذكر أن حصيلتهم لا تعدو استضاءة من يشعل عود كبريت في ضوء شمس المعرفة الساطع التي تغمر المعمورة، أما حال الكتاب فحدث ولا حرج، فنصيب كل عشرين ألف عربي كتاب واحد، مقابل كتاب لكل 491 إنجليزياً ولكل 713 إسبانياً، هذا ولم يتطرق التقرير إلى نوعيات الكتب الشائعة، ولو فعل المعدون لكانوا كمن يدخل يده في “وكر الثعابين”. وقد تطرّق التقرير إلى الفقر الذي هو قدر العربي البسيط، والذي قال فيه علي بن زايد “أمسيت من فقر ليلة، سارق وزاني وكذاب”، فكيف بفقر الدهر. أما البطالة فهي ثالثة الأثافي، ونظرة إلى الأسواق تغني عن قراءة الأوراق. رحم الله تعالى أبا الطيب القائل:

أغايةُ الدِّينِ أن تَحِفّوُّا شوارِبكم=يا أمة ضحكت من جهلها الأممُ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s