نُوْن … وَالْقَلَم

الكتابة سجن الكاتب، والحُروف قُيوده وأصفاده، والأفكار هي الأشباح التي تُحيط به في زنزانته وليس له منها فكاك، لأنَّها تجري منه مجرى الدم.

جرَّبتُ شتَّى الأمراض وقاسيتُ آلامها، فلم أجد ما هُو أمرض وأمضّ ولا أشدُّ وطأةً من القلم، وقد خِلْتُ نفسي في «استراحة المُحارب»، التي أمضيتها بعيداً عن القُرَّاء، أنَّني قد برئت، لكن هيهات، فالدُّنيا خارج سجن الكاتب هي السجن الأعظم، تُدرك الهارب كليل النابغة :
«وإنَّكَ كاللَّيل الذي هُو مُدركي
وإن خلتُ أن المُنتأى عنكَ واسعُ»
وليس لِمَنْ احترفوا الكتابة من منجىً إلاَّ بالكتابة والمزيد منها، فهي على الأقلّ المشنقة الأُخرى، مصداقاً للمثل : «الانتقال من مشنقةٍ إلى أُخرى فَرَجٌ»، وأيُّ فَرَج، فقد غمرني زُملاء الحرف والمُعاناة والتجريب ومُمارسة اللأواء في هُموم الحياة والناس بما أنعش رُوحي من عطفهم وحُبّهم وأمانيهم العِذَاب، وتشجيعهم، وأخصُّ بالذكر منهم أُستاذنا عبدالعزيز عبدالغني، الرَّجُل الذي يُعلي من شأن الكلمة قارئاً أو مُستمعاً أو مُتحدِّثاً، ولا عجب، فهُو قد دلف إلى الحياة السياسية والاقتصادية والتشريعية، من بين دفَّتي كتاب، أُستاذاً ومُربِّياً وعميداً ومفتوناً بالحكمة، والعمّ علي مُحمَّد سعيد، المثل المُشرق والمُلهم في دُنيا الأعمال، وفي مراقي الخير، وكُنتُ في اليوم الذي دخلتُ فيه إلى المُستشفى أكتب عمودي عن تبرّعه لبناء مدرستين للمُتفوِّقين والمُتفوِّقات في تعز بمعامل حديثةٍ تشمل نُظم الكمبيوتر والتغذية وشُروط التفوُّق المُستمرّ، ولم يُقدَّر لي أن أكمل ذلك المقال، الذي أوحى به صديقي مُحمَّد عبدالودود طارش، الذي يُوافيني بكُلِّ جديدٍ يرفع المعنويات من أخبار الوطن.
الأُستاذ خالد الرُّويشان كتب عنِّي في «الثورة الثقافي» ما أنا عاجزٌ عن الإيفاء بحقِّه، «والعُذر عند كرام الناس مقبول»، ذلك أنَّ الفضل دائماً للمُتقدِّم، وإذا حاولت بالكلمات أكون «كَمَنْ يحمل التمر إلى هجر» أو يبيع الماء في حارة السُّقاة، فمن أين لي ذلك التألُّق الدُّري الذي يُوشِّي كتابات خالد ومُقارباته الأدبية؟ والمسألة ليست أسلوبيةً صنائعية، فخلق الكلمات المُؤثِّرة يُوجد النبع الذي يُغذِّي البواسق مُتمثِّلاً في القلب الكبير المُتدفِّق بِالْقِيَم النبيلة، وليس كُلّ مَنْ حَمَلَ القلم أو خَطَّ الحُروف يمتلك مثل ذلك النبع.
وكان الأُستاذ عبدالرحمن بجَّاش هُو مَنْ لفتني برسالةٍ تليفونيةٍ إلى ما كتبه خالد، وقد علَّق بقوله : «عُد إلينا ندفأ بك ونتعلَّم منك، واليوم كتب قلم خالد الرُّويشان ما لم يكتبه في أحد، فَعُد»، التوقيع : جارك عبدالرحمن بجَّاش، كما كتب إليَّ ساعده الأيمن في التحرير الزميل محفوظ البُعيثي : اليوم كتب الأُستاذ خالد الرُّويشان عن نقيب أدبنا وصحافتنا الأُستاذ «فضل النقيب».
هذا الكرم من الزُّملاء، وفي مُقدِّمتهم الأُستاذ علي بن ناجي الرعوي، الذي اتَّصل للاطمئنان، حفَّزني على قطع إجازتي الإجبارية، فكتبت إلى عبدالرحمن : لا يُمكنني الهُروب من حُبّكم أكثر، وسيعود عمود «آفاق» من الأحد الأوَّل من نُوفمبر، فردَّ عليَّ : «ونحنُ قُلوبنا وصفحاتنا لا أُفق لها إلاَّ أُفق النقيب».
شُكراً جزيلاً لجميع الذين شدُّوا أزري، وإن كُنت أقول بصدقٍ إنَّني لا أستحقّ جُزءاً من ذلك الثناء والإطراء، لكنَّ الإحسان يُقيِّد الإنسان، والكلمات تُبلسم الجراح وتُشفي الأرواح، وعلى رأي أبي الطيِّب :
«وقيَّدتُ نفسي في ذُراك محبَّةً
وَمَنْ وَجَد الإحسان قيداً تقيَّدا»
الكتابة سجن الكاتب، وهذا السجن قد يضيق بالمُتكلِّف حتَّى يُلحده، وقد يتَّسع للمُتعفِّف كجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، وقد جاء قَسَم الرحمن بالقلم إشارةً إلى حدَّيه : «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُوْنَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُوْنٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرَاً غَيْرَ مَمْنُوْن»، صدق اللَّه العظيم.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s