شهر رمضان

وَفَدَ الشهر الكريم قادماً من مسافة أحد عشر شهراً في الزمن الصعب الذي يتجرَّع المُسلمون غُصصه مُنذُ قُرون، وتفاقم في العُقود الأخيرة ليُصبح علقماً حتَّى بلغت الأرواح والنُّفوس الحناجر، «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَىْ وَالْفُرْقَان»، أيْ ما يُفرِّق بين الحقِّ والباطل، وقد التبسا في زماننا، فالباطل يتزيَّا بزيّ الحقّ ويدَّعيه، والحقُّ يعجز عن إبانة هُداه فيمتريه، ذلك أنَّ الباطل يستند إلى القُوَّة والعسف والمكر والحيلة، والحقُّ يتَّكئُ على الضعف والهوان وقلَّة الحيلة، فهُو كُلَّ يومٍ يُنتقص من أطرافه، وكُلَّما تنازل أكثر طلباً للسلامة كان المطلوب المُضاف أكثر من كثيره، حتَّى يتلاشى فيُدْعى باطلاً، فتتكالب عليه الضواري وتنهشه الهوام، فهُو كَالْجَمَل حين يسقط فتتناوشه السكاكين في استعراضٍ لأيِّها أقطع وأيِّها أبلغ وصولاً إلى الْعَظْم.
نستمدّ من الشهر الكريم شيئاً من السكينة وفُسحةً للتأمُّل في أحوالنا ومآلاتنا وعلاقاتنا باللَّه تعالى وهديه، «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوْا وُجُوْهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّيْنَ وَآتَىْ المَالَ عَلَىْ حُبِّهِ ذَوِيْ الْقُرْبَىْ وَالْيَتَامَىْ وَالمَسَاكِيْنَ وَابْنَ السَّبِيْلِ وَالسَّائِلِيْنَ وَفِيْ الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَىْ الزَّكَاةَ وَالمُوفُوْنَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوْا وَالصَّابِرِيْنَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِيْنَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ صَدَقُوْا وَأُوْلَئِكَ هُمْ المُتَّقُوْنَ».
منظومةٌ من الْقِيَم لا تنفصم عُراها ولا تتجزَّأ لنأخذ ما نشاء وَنَدَع ما نشاء، وهي ميثاقٌ بين الخلق والخالق مصوغةٌ في عهدٍ لا ينكثه إلاَّ الظالمون، ويأتي رمضان ليُذكِّرنا بالعهد الذي يتدبَّره الأتقياء فتغرورق عُيونهم بالدمع وتمتلئ قُلوبهم بالخشية طمعاً ورهباً، فيعقدون العزم على سُلوك النهج القويم، بادئين بالحساب العسير لأنفسهم الأمَّارة بالسُّوء، مُعتمدين على عفو الكريم الذي يُحبّ العفو مع خلقه وبين خلقه، «رَبَّنَا آتِنَا فِيْ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيْ الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار»، فَمَنْ أراد فضل اللَّه وتطلَّع إلى أنواره قدَّم بين يديه عملاً صالحاً وقولاً نافعاً وطاعةً راضية، لا أن يكون غارقاً في حمأة الرذائل، مُقترفاً للمظالم، آكلاً لحُقوق العباد، مُقصِّراً في العُهود والمواثيق، ثُمَّ يرفع يديه : «يا اللَّه … يا اللَّه، فأنَّى يُستجاب له»، وحين فُرض صيام الشهر الكريم خرج الرَّسُوْل صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من داره قاصداً المسجد وخاطب الناس : «أتاكم شهر رمضان خيرٌ وبركةٌ يغشاكم اللَّه فيُنزِّل فيه الرحمة ويحطّ الخطايا ويستجيب الدُّعاء فأروا اللَّه فيه من أنفسكم خيراً فإنَّ الشقيّ مَنْ حُرم فيه رحمة اللَّه عزَّ وجلَّ».
ويقول صاحب العبقريات الإسلامية «عبَّاس محمود العقَّاد» «رمضان شهر الإرادة، أدبه أدب الإرادة، وليست الإرادة بالشيء اليسير في الدِّين، وما الخلق إلاَّ تبعاتٌ وتكاليف، وعماد التبعات جميعاً أنَّها تُناط بمريد، وَمَنْ ملك الإرادة فزمام الخلق جميعاً في يديه».
ونرى ذوي النظر ممَّن نوَّر اللَّه قُلوبهم وكشف لهم ستر المعاني، ينظرون إلى جواهر العقائد لا إلى حشو الموائد، ويُعظِّمون مكارم الأخلاق، وليس مجالس النفاق والتفاخر بالإنفاق، ويرون الجُوع على حقيقته مُعلِّماً ومُؤدِّباً وشفاءً للنُّفوس النهمة وعطفاً على ذوي المُعاناة الدائمة، فهذا مُصطفى صادق الرافعي، صاحب «وحي الْقَلَم»، يقول : «شهرٌ أيَّامه قلبيَّةٌ في الزمن، أيْ أنَّه من القلب وإلى القلب، ومتى أشرف على الدُّنيا قال الزمن لأهله : هذه أيَّامٌ من أنفسكم لا من أيَّامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فَيُقْبِل العالم كُلّه على حالةٍ نفسيةٍ بالغة السُّموّ، يتعهَّد فيها النفس برياضتها على مكارم الأخلاق ومعالي الأُمور، ويفهم الحياة على وجهٍ آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنَّها أُجيعت من طعامها اليومي كما جاع هُو».
كُلُّ عامٍ وأنتم بخير.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s