محمود درويش

محمود درويش
محمود درويش

مساحة للعرفان وعقاب للنسيان

مرت أمس الذكرى الأولى لوفاة الشاعر العربي الكبير محمود درويش الذي حلّق عالياً في سماوات الإبداع، وفي أغوار الروح المُنقسمة، والوطن الأثيري الذي ما أن يتجسّد حتى يتبدّد، وما أن يتأنسَن حتى يتوحشن، وبين فكّي الرّحى الملتهمة للحياة والأحياء، وفي خضم صراع الأضداد، تسقط منظومات قيمٍ، ومسلّمات يرصدها الشاعر المُترع بالأسى، المهدد بالردى، القابض على جمر الزمان والمكان، يحاول إعادة صياغة الوقت الباهت، واستنطاق الرّسوم الدوارس، واستكناه أحجيات الغيب، وما يحمله من بشارات ونذر، وتنبّؤات غامضة وامضة، تُخاطب جوهر إنسانية الإنسان، وتستلهم قوانين العدالة العظمى، التي بدونها لا تستقيم الموازين، ولا تصلح الحياة للحياة، ولا يقرّ في ذهن الإنسان وسلوكه مبدأي الثواب والعقاب الآلهيين. الشاعر معذب برؤيته، يحمل صخرته بين كتفيه، وما أن يقترب من النجوم حتى تجتذبه الخطيئة الأولى إلى الأرض الموبوءة بالظلم، والإدّعاء، والإفتئات، والقصور، والتقصير، والنكوص قبل بلوغ الهدف، والطمع الرخيص، الذي يبدأ متردداً وينتهي سيداً يحكم المدينة، ويسمها بمسيمه الكاوي، فيحيل الأرواح إلى أشباح، والمناضلين إلى مساومين ومقاولين، واللغة إلى خواءٍ وعراء. خاض محمود درويش معركته من خندق اللغة التي مثلت ميدان معركته الفريد، فاستولدها الرعد والبرق، وهطول الأمطار بعد أن كانت قد تيبّست وتكلّست على أيدي سدنتها من حراس الهيكل، الذين يقدّسون الموت والأموات، ويشيحون بأنظارهم عن الحياة والأحياء.

كانت معركته بين أقلامه وأوراقه وكلماته أشد ضراوة من حرب السهام التي تناوشته منذ تجلّت عبقريته، وتسامت مكانته، بما أطفأ أو فضح ملكاتٍ خامدة، ادّعت العصمة، ونسبت إلى نفسها الفتوحات، وظنت وهماً وغروراً أنها قد أتت بما لم تستطعه الأوائل. هكذا هو قانون الحياة، فكلّ شمس تسطع لا بد لها خلال دورة حياتها أن تبدّد الظلام، وتنمي الجمال، وتصنع الأفياء والظلال، وتبث الحياة في كل ما تطاله أشعتها، وفي ذروة تألقها تكتشف المفاتيح الذهبية للحرام والحلال، فتتلاشى عوالم كانت قد أزمنت، وتُشاد عوالم بديلة حان أوانها فأقبلت. عصا الشاعر كعصا موسى، واختراقه للحُجب كاختراق الخِضر، ولذلك يظل معذباً بالمعرفة وبالنور الذي يجعله غريباً بين عميان، ومنشداً يتلو أسفاره على الصمّ البكم، الذين لا يفهموم.

كان عام الذكرى الأولى الذي مضى مساحة للعرفان، وعقاباً للنسيان، الذي يحيل المبدعين العرب إلى الإستيداع، قبل أن يحيلهم الموت إلى أوراق مجففة للذكرى، بعد أن يستلّ رحيقها، ويبدد عطرها، ويبقي منها فقط ما ضجّ بعوامل الحياة، التي تتأبى على الرحيل. حقق محمود درويش ميتاً ما عجز عنه حياً، لكأن الناس كانوا نائمين “مفتحة عيونهم نيامُ”، فلما استيقظوا على رحيله المدوّي أدركوا خسارتهم، فأخذوا يركضون إلى حدائقه لإلقاء نظرة، وقطاف زهرة، أو الاستقساء على روحه، التي لم ترحل مع الجسد الفاني، وظلت محوّمة شاهدة على كل فلسطيني وعربي لم يرفعا رايات الإستسلام.

قارب محمود درويش السياسة الملتبسة من موقع المثقف المتعالي على المعابر والآني، وما لبث أن وجد نفسه بين خيارين لا ثالث لهما: إما طلاق السياسة طلاقاً بائناً، والسماح لها بالتهام إبداعه سطراً سطراً وحرفاً حرفاً، وإما العودة إلى جنته التي أُخرج منها، فاختار جنته حتى وإن كانت في قلب الجحيم. نآى بنفسه عن النفوس المتنمّرة، والأيدلوجيات القامعة، والزعماء الأصنام، والكتّاب الأقزام، والقراء الذين يريدون صناعة الشاعر وتفصيله على مقاساتهم: “يا فراشة يا أخت نفسي / كوني كما شئت قبل حنيني وبعد حنيني / ولكن خذيني أخاً لجناحك يبق جنوني / معي ساخناً يا فراشة يا أم نفسك لا تتركيني / لما صمم الحرفيّون لي من صناديق لا تتركيني”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s