مصطفى كمال

مصطفى كمال
مصطفى كمال

أما «أتاتورك القديم» ومعناها أبو الأتراك فهو الزعيم مصطفى كمال الذي حال دون الانهيار التام لبلاده في الحرب العالمية الاولى واستعاد الاجزاء التي كانت قد استقطعت من الاراضي الوطنية أما ما اخذ من الاراضي الامبراطورية الشاسعة التابعة للعثمانيين فقد غض الطرف عنها وذهبت غنائم حرب لكل من الانجليز والفرنسيين وبذلك انكف «أتاتورك» على الداخل لاعادة البناء وتشييد الهوية الوطنية التركية الجديدة على انقاض الامبراطورية التي اطلق عليها الاوروبيين لقب «الرجل المريض» فعصف بكل شيء معلنا قيام الجمهورية في 1923م وانتهاء الخلافة الاسلامية ومتربعا على كرسي الحكم في زي عسكري «صارم» يحكم بتميمة «كن فيكون» وفي اهاب مخلص منقذ باركته السماء ودانت له الارض وفي دور أب يدري عن مصلحة أبنائه اكثر من درايتهم بأنفسهم.
وهكذا منقذ فصّل دستوراً للجمهورية فرض بموجبه العلمانية مستبعداً الدين من السياسة والحياة العامة وفوّض الجيش في مراقبة ومحاسبة كل من يحيد ولو قيد أنملة عن منهج التغريب الذي طال التعليم والمؤسسات وحتى الزي فاستبدلت العمائم بالقبعات والحروف العربية باللاتينية وكان هو بمثابة «الولي الفقيه» ولكن بدون الشعارات فهو ولي العلمانية غير الملتحي وهكذا هو التاريخ لا يطيق استمرار عرض واحد وحيد فلكل زمان دولة ورجال وكان العالم غداة الحرب العالمية الاولى لا يلتفت فيه أحد لأحد فالكل يلعق جراحه حتى المنتصرون وفي مساحة ما بين انتهاء الحروب الكبرى والتقاط انفاس معاودة الحياة تبزغ بذور كانت مدفونة تحت التراب فتنمو سريعاً «تتجذَّر» وتحل مسلمات بدل مسلمات وقيم محل قيم وسط قبول من الناس هو إلى الاستسلام أقرب لأنهم حين يرون العالم القديم تتقوض صروحه كأن لم تكن والعالم الجديد يزداد جرأة وإقداماً على مدار الساعة يهطعون رؤوسهم فإن يوما عندئذ بألف سنة مما تعدون وهذه هي قصة البلشفية في روسيا حين حانت وفاة امبراطورية قياصرة آل رومانوف وآذنت بزوال وقصة الماوية في الصين التي قذفت بزعيم الصين الكبرى شان كاي شيك إلى جزيرة تايوان مع فلول المنهزمين «ما ارانا نقول الا معاداً».

لقد مضى على انشاء الجمهورية التركية حوالي 85 عاماً استنفدت خلالها معظم قوة الدفع الأتاتوركي وقد صبت في النهر مياه كثيرة عكرت صفوه فـ« ابو الاتراك» لم يعلن ابوته للاكراد وللارمن وغيرهم من الاقليات بما فيهم العرب وهم جزء اصيل من الوطنية التركية ان لم تستوعبهم وتمنحهم حق المواطنة المتساوية فستظل مجروحة مؤرقة غير آمنة ولا مأمونة في محيطها فسياسة «تركيا للاتراك تركيا شعب واحد.. تركيا لغة واحدة» تخالف حقائق الواقع وتقفز عليها دون تبصر والالتفات إلى ايقاع العصر الذي يعتبر التعدد اثراء للهوية ورافد سخيا للثقافة وعامل قوة، علماً أن الاثنية الكردية تمثل 20% من سكان تركيا.
وكان أن ظل مصطفى كمال يحكم تركيا من قبره حتى جاء رجب طيب اردوجان وحزب العدالة والتنمية فملأ الدنيا وشغل الناس بمشروعه للخلاص الوطني والذي في حال نجاحه سيجعل من المؤسس الثاني لتركيا الحديثة أباً لتركيا بجميع أبنائها وقومياتها ولغاتها وثقافاتها وليس للجنس التركي فقط وسيصبح اللقب «اتاتركيا» وليس «اتاتورك».
فجر اردوجان قنبلة تجاوبت اصداؤها في بلاد الاناضول وديار بكر وفي انقرة واسطنبول وفي بحار ايجة ومرمرة الاسود والمتوسط ومضابق الدردنيل والبوسفور وفي جبال طوروس في الجنوب وجبال ارمينيا في الشرق وقال عنها احد النقاد ان تأثيرها السياسي والإعلامي والثقافي والنفسي اكبر من زلزال بقوة عشر درجات على مقياس رختر.
هكذا اتكلم اردوجان مخاطبا نواب بلاده والشعب التركي الذي لم يعتد على مثل هذه اللغة: «أيا تكن الاكلاف والاثمان فلن نحيد عن طريق حل القضية الكردية ولو كنا فعلنا ذلك منذ ثلاثين عاماً وتم حل القضية ولم تتضخم إلى هذا الحد فكيف كان سيكون حال تركيا الآن؟ ينبغي على الجميع طرح هذه الاسئلة على انفسهم وايجاد اجابات لها ومحال ان يستطيع احد قطع روح الاخوة بيد الأكراد والأتراك ولا فرق لدينا بين آلام واحزان ام كردية وام تركية نيتنا للحل صحيحة إذ لم نعد نحتمل موت شبابنا ولم نعد دنحتمل آلام قلوب الامهات فآلام الامهات لا تعترف بالسياسة والايدلوجيات ايا تكن تعقيدات ومحاذير هذه المشكلة نحن نود حلها، انه مشروع نهضة تركيا»، هكذا تكلم رجب طيب اردوجان وبدأ العمل على الفور دون ابطاء ذلك ان آفة القول تأجيل الفعل او تمييعه أو الالتواء عليه.
25 عاماً من الحرب بين القوميين الرئيسيين تكفي لتثوب العقول إلى رشدها وتسمى الأشياء بأسمائها فالاكراد ليسوا «اتراك الجبل» ولكنهم شركاء في الوطن لهم ما للاتراك وعليهم ما عليهم ولهم ان يتعلموا ويتعاملوا ويتواصلوا بلغتهم وان يلبسوا يرقصوا ويغنوا وفقاً لعاداتهم فلا ضرر ولا ضرار، ان تركيا التي اغرمت بدور الوسيط الدولي بين دول الجوار قد توصلت إلى قناعة بأن من الأجدى ان تتوسط بينها وبين نفسها أولاً فما قيمة ان تكسب العالم وتخسر نفسك؟

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s