كورازون أكينو

كورازون أكينو
كورازون أكينو

عندما أُجبر دكتاتور الفلبين فرديناند ماركوس على الهرب من البلاد عام 1986، بعد أن حكم الفلبين عشرين عاماً بالحديد والنار والفساد والعلاقات المشبوهة، لم تشيّعه فقط لعنات الشعب الفلبيني، وإنما لعنات التاريخ والعالم، ويبدو لي أنه هو لعن نفسه واستقمأها حين زالت عنه هالة العظمة الزائفة والبطولات الكاذبة والألوهية المدعاة، فوجد نفسه في مهبّ الريح، ينبذه الذين كانوا ينصرونه، ويتبرأ منه الذين كانوا يتزلفون إليه، وتلفظه البلدان التي طالما رحبت به عندما كان في سدة السلطة وهيلمان الحكم، ذلك أنه أعطي ملكاً فلم يحسن سياسته، وَوُلّي أمانة لشعب عامل كادح مهاجر حول العالم تعداده آنذاك سبعين مليون نسمة، يعيشون على أكثر من ثلاثة عشر ألف جزيرة، فخان الأمانة، واعتبر البلاد والعباد والأرزاق من موروث آبائه وأجداده، ثم طغى وتجبر فعُدّ حكمه فوق النقد، واستقوى ببطانة فاسدة، وبأحساب وأنساب وأزلام من جند الشيطان، حتى وصل به الطغيان إلى الأمر باغتيال زعيم المعارضة بنيغنو أكينو في 21 أغسطس 1983 في مطار مانيلا الدولي أمام أنظار العالم، وكانت تلك هي العاصمة، حيث ثار البركان الشعبي وأخذ يلقي بحممه، وما كان لشعب يريد الحياة إلا أن يستجيب له القدر، فتولت زوجة بنينغو السيدة كورازون أكينو قيادة الملايين من الساخطين الناقمين، ولم يكن لها قبل ذلك تطلّع إلى الزعامة، فقد كانت متفرغة لتربية أبنائها الخمسة، والعناية بالبساتين، وإعداد القهوة والحلويات لأصدقاء زوجها، ولكنها وجدت نفسها فجأة في عين العاصفة، التي صنعت منها نموذجاً فذاً للصلابة والإيمان، فأسقطت تلك المرأة التي وصفت بأنها “الصغيرة صاحبة الإبتسامة الدافئة والصارمة في آن” فرعون الفلبين فرديناند ماركوس، وقذفته إلى مزبلة التاريخ بصبحة زوجته أميلوا ماركوس ذات الألف حذاء، التي أصبحت أحدوثة العالم وموضع تندر رسامي الكاريكاتير، الذين طاردوها فيما كانت تطارد الأموال الطائلة التي نهبها زوجها وأودعها خزائن البنوك في شتى أنحاء العالم، معتقداً أنها ستكون الملاذ حين لا ملاذ، ولكنه اكتوى بها حسراتٍ ونقمات حتى نخره المرض كما ينخر أي شخاذ بائس على قارعة الطريق.
وقد تولت كورازون أكينو السلطة بعد ماركوس، وذلك في عام 1986 مكافأة من شعبها لنضالها، واعترافه بشجاعتها، وكانت بذلك أول امرأة في قارة آسيا تتولى السلطة العليا، بعد أن قام ماركوس في النزع الأخير بتزوير الإنتخابات أملاً في البقاء، رغم أنه لا يحق له الترشح دستورياً، ولكن الشعب كان له بالمرصاد. وخلال فترة كورازون أكينو واجهت ست محاولات إنقلابية فاشلة، واضطرابات سياسية، ومع ذلك أمضت سنواتها الست حتى نهاية فترتها، متمسكة بالشرعية الدستورية، ولكنها فشلت في تغيير النظام السياسي الذي تطغى عليه العائلات المتنفذة الكبيرة ذات المصالح والتحالفات والدراية بحبك المؤامرات، والتأثير على الرأي العام، وتزييف مشاعره، وتحويل قيادِه.
لقد حاولت أكينو واجتهدت في بلد مثقل بموروث من الإستبداد والفساد وشحة الموارد، وقد عانى من الإستعمار طويلاً من قبل أسبانيا وأمريكا واليابان، وكلٌّ حاول مسخ هويته، واستغلال مقدراته، وتسليط بعضه على بعض في صراع على السلطة والثروة كان ماركوس أبرز تجلياتها، حيث نحا في حكمه منحى المستعمرين، فلم ينظر إلى شعبه إلا كبقرة حلوب إذا أعلفت فلكي تدر، وإذا شح درها تساط بالسياط، ولو لم يكن لثورة أكينو سوى فضل استعادة الحياة الديمقراطية المصادرة على نواقصها لكفاها ذلك لكي تدخل التاريخ من أوسع أبوابه. وفي تأبين الرئيسة الحالية للفلبين جلوريا أرويو التي لم تكن أكينو على وفاقٍ معها آخر أيامها بعد أن سانتدها في الوصول إلى الحكم قالت: “إن كورازون أكينو قادت ثورة أعاد الديمقراطية وحكم القانون إلى أمتنا في وقت حرجٍ جداً”.
أما الرئيس جوزف استرادا الذي اتسم حكمه بالفساد، والذي ساندت أكينو الكنيسة وحركة الإحتجاجات السلمية التي أدت إلى سقوطه، فقد قال عنها: “كانت امرأة تتسم بالقوّة والرقة… لقد فقد شعبنا اليوم أماً”. وقال مساعدها الذي كان مكلفاً بالإعلام وهو يبكي على شاشة التلفزيون: “إن النقاء والنبل لم يغيبا عنها يوماً، وهي لم تطلب في أي يوم من الأيام شيئاً بالمقابل، لقد تمكنت من القضاء على مراكز الفساد في الحكومة لأنه لا يمكن إفسادها”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s