شيخٌ من السُّودان…القدَّال باشا سعيد القدَّال

أُعرِّجُ اليوم على شأنٍ من شُؤون التاريخ القريب في بلدنا، لعلَّنا نُحسن القراءة وندرك مركزية الإنسان الواعي المُتعلِّم المُخلص في بناء الحضارة وتنظيم شُؤون الحياة والأحياء والإحسان إلى الناس، بغضِّ النظر عن منبته أو حسبه ونسبه، فالخلق جميعاً عيال اللَّه، وخير الناس أنفعهم للناس، أمَّا دعاوى الجاهلية الأُولى وتزكية النفس والقبيلة والجهة ورِمَم الأجداد الذين لا نعمل عملهم ولا نُجاهد جهادهم ونُريد أن نُصادر ذِمَمهم لتُحبط أعمالهم في قُبورهم، إن كانوا هُم مَنْ وضعنا على هذه السكَّة والطريق المعوجَّة، سواءٌ بإساءة التربية أو بإهمالها، فإنَّ مَنْ يُقاربونها ويتحمَّلون كبرها ووزرها هُم أُولئك الذين يُشبهون السنابل الفارغة تُحمحم برُؤوسها تيهاً واستعلاءً، لأنَّها لا تحمل من نسغ الحياة ما يمنعها عن التطاول ويجتذبها إلى التواضع، شأن السنابل المُمتلئة التي تحني رُؤوسها حمداً للَّه، وهؤلاء كذلك لو فتَّشت في جماجمهم وتلافيف أدمغتهم فلن تجد سوى الخواء وكنيس النفايات المُجتمعية وأوشال مجاري عُصور التخلُّف والروائح الكريهة للعصبيات المُنتنة التي تُعرقل المسارات الطبيعية للتطوُّر وتُشوِّش حراك الهيئة الاجتماعية المُواكبة للعصر، كما يعيش هؤلاء كالمُتسلّقات المُتطفِّلة على حساب موارد غيرها من البشر، لأنَّها لا تُجيد من صنائع الحياة ما هُو خارج الابتزاز واللَّهوجة والهنجمة وتعطيل المصالح المشروعة للناس بالإفك والباطل والافتراء والادِّعاء والتلبيس والتدليس، يعني «حسنة وأنا سيِّدك».
ولقد كان النظام الإمامي البائد قائماً على مثل هذه السياسة الفاجرة حتَّى هجّ الناس إلى المهاجر وظُلمات الاغتراب بعد أن تحوَّلوا إلى مُتسوِّلين للصرف على العساكر الذين يحطُّون على القُرى الوادعة كالجراد ويبتلون الناس كَالْجَرَب والطاعون، يُحوِّلون زوجاتهم وأطفالهم إلى خَدَمٍ للطبخ والغسل والكنس وتعمير المداع ثُمَّ يبيت أهل البيت بالإسطبلات مع الحيوانات، بينما عساكر الإمام تحتلّ غُرف المنزل، وَمَنْ يُرد المزيد فليرجع إلى كُتيِّب «الأنَّة الأُولى»، للأُستاذ المُجاهد أحمد مُحمَّد نُعمان – رحمة اللَّه عليه.
زالت دولة الأئمَّة بمُقتضى سُنن الكون وقوانين التاريخ، «لا ينال عهدي الظالمون»، لكن بقيت شذراتٌ من تلك المرحلة السوداء تطلّ بأشداقها كالبكتيريا التي تتكاثر بسُرعةٍ خارقةٍ حين تجد الوسط المُلائم أو التُّربة الصالحة والمناخ المُساعد، وهؤلاء نعرفهم جميعاً بسيماهم، لكنَّهم – مع الأسف الشديد – لا يُؤخذون بالنواصي والأقدام، لأنَّنا نُقيم الحُدود على الضُّعفاء وندرأها عن المُتجبِّرين الصُّلفاء، وبذلك لا يُرفع عنَّا العذاب ولا تتنزَّل علينا الرحمات، ولولا البهائم وهوام الأرض رُبَّما لم نمطر جزاءً من ربّنا وفاقا.
لننظر إلى ما بدأنا به هذه الزاوية، جمجمنا به ولم نُفصح، وهُو من شُؤون التاريخ الحديث، التي طُمرت وفارقت ذاكرة الناس، ويُمثِّل العمل الصالح في أبهى تجلِّياته الإنسانية.
في عام 1939م جاء إلى حضرموت للتدريس أُستاذٌ من السُّودان الشقيق يُدعى القدَّال باشا سعيد القدَّال، كان في العقد الرابع من عُمره، وحين وصل إلى ميناء المُكلاَّ بحراً، حيثُ لم يتعرَّف إليه أحدٌ ولم يستقبله أحد، وقد تدرَّجت به المراتب والأعمال، فبدأ مُعلِّماً لا يُؤبه له حتَّى أوصلته كفاءته وإخلاصه وسُمعته الحسنة وتعفُّفه عن العطايا والدنايا إلى أن يُصبح وزيراً للمعارف، فتمكَّن من نقل تجربة معهد «بخت الرضا» الشهير وتوطينها في حضرموت.
وفي عام 1941م جرى افتتاح المدرسة الوسطى بالمُكلاَّ، عقب تهيئة الصُّفوف الأُولى في مدارس «حصن الشيبة»، ثُمَّ عمد إلى إنشاء المدرسة الوسطى النُّموذجية في غيل باوزير، وكانت الوحيدة في حضرموت التي يمتزج فيها النشاط الذهني باليدوي، ويسودها جوٌّ ديمقراطيٌّ يجعلها في حالةٍ مُستمرَّةٍ من التعليم والتعلُّم، وفي عام 1945م منحه سُلطان حضرموت رُتبة «الباشوية»، ثُمَّ لم يلبث حتَّى جرى اختياره سكرتيراً للدولة، أيْ رئيساً للوزراء، بمُصطلحات أيَّامنا هذه.
وفي عام 1951م قدَّم المُستشار البريطاني تقريراً شاملاً عن التطوُّر الإداري والزراعي في حضرموت، وذلك عقب عامٍ واحدٍ من تولِّي الشيخ القدَّال منصبه، وممَّا جاء فيه : «إنَّ سكرتير الدولة الذي عُيِّن حديثاً يمتلك قُدراتٍ إداريةً حقيقيةً ويحظى بالاحترام على امتداد البلاد، وهُو رَجُلٌ حكيمٌ وذكيٌّ وله شخصيةٌ قويةٌ جدَّاً ومعروفٌ بنزاهته واستقامته، وقد استطاع أن يقبض على زمام الأُمور بحزم، وأظهر بصماته الإدارية التي كانت الحاجة ماسَّةً إليها لسنواتٍ عديدة».
وعندما زار مُحمَّد عُثمان ياسين حضرموت مُوفداً من قِبَل الأُمم المُتَّحدة في سبعينيات القرن الماضي، كتب عن النظام القضائي قبل أن يتقوَّض بعد ذلك على يد إخواننا الذين عصفوا بكُلِّ شيء : «لقد أدهشني وملأ خيالي أثناء دراستي الإدارية لتلك المنطقة النظام القضائي الإسلامي فيها، الذي شارك في أُسسه المرحوم القدَّال».
سبعة أعوامٍ قضاها القدَّال بمثابة رئيس وزراء كان فيها محلّ إعجاب الناس والسُّلطات، وحين عاد إلى السُّودان عام 1957م ليستأنف عمله في التعليم كان في وداعه السُّلطان وأعيان البلاد، وهُو لم يحمل الأموال ولا الرياش، وإنَّما الذِّكْر الحسن والقُدوة الصالحة وخُلق المُسلم الحقيقي الذي يُخلص القول والفعل ويتوخَّى الإحسان حيثما كان، «وَقُلْ اعْمَلُوْا فَسَيَرَىْ اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوْلُهُ وَالمُؤْمِنُون».

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s