صديقك من صدقك

لنكن صريحين مع الأصدقاء الصينيين امتثالاً للمثل العربي الشفاف والمخلص “صديقك من صدَقك (بفتح الدال) لا من صدّقك (بتشديد الدال)، والأحداث الدامية التي كان إقليم شينجيانج شمال غربي الصين مسرحاً لها قد فاجأت الكثيرين من محبي الصين بكم الدم المراق، وبالحشد العسكري غير المسبوق في شوارع العاصمة (أورومتشي)، لكأن غزواً خارجياً قد داهم أرض التنين الأصفر، وهذا يذكر العالم بأحداث مماثلة وإن كانت أقل دموية شهدتها هضبة التبت معقل البوذية العام الماضي، وقد علقت تلك الأحداث برقبة (الدلاي لاما) الزعيم الروحي البوذي صاحب (الكاريزما) العالمية التي تجاوزت الحكومات النصيرة إلى الشعوب التي لم تجد في منطق الرجل عوجاً ولا أمتا، فهو يجنح للسلم صبحه ومساءه، وفي حدثه وصمته شريطة أن تتم مراعاة خصوصية شعبه، وأن تحترم ثقافتهم وديانتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأن يكون لهم نصيب من روثات موطنهم يتناسب مع عديدهم، وأن تلجأ الحكومة المركزية إلى الإغراق السكاني بدفع الغالبية المطلقة لسكان الصين من (الهان) للإخلال بالتوازن الديمغرافي. أما أحداث شنجيانج حيث يوجد ثمانية ملايين مسلم من اليوجور، وهم مجموعة من العرق التركي تربطهم صلات ثقافية ولغوية بشعوب آسيا الوسطى، فقد علقت برقبة (ربيعة قدير) الزعيمة اليوجورية المقيمة في المنفى بالولايات المتحدة الأمريكية، بينما يقبع بعض أبنائها في السجن، وطبعاً لا الدلاي لاما ولا ربيعة قدير بإمكانهما تحريك أحداث جسيمة كهذه إن لم تكن التربة ممهدة، والإحساس بالظلم والتمييز وارداً، وذلك هو بمثابة الجمر تحت الرماد إذا نفخ فيه النافخ اشتعل، والعقل والمنطق يقولان أنه بدلاً من الإنشغال في توزيع الإتهامات التي لا تقدم ولا تؤخر كان ينبغي الذهاب إلى جذور المشاكل، وإيجاد حلول مرضية لها، فالعقل الصيني النيّر الذي صاغ سياسة (حكومتنا في بلد واحد) لاستنقاذ هونج كونج من المستعمر البريطاني وإعادة إدماجها في الوطن الأم، ووضع الضوابط والقوانين المشددة للحيلولة دون إغراقبها سكانياً مع الحفاظ على ما يميزها من الحريات واممارسات الديمقراطية لن يعجز ع إيجاد الحلول للتبتيين والإيجور والأقليات الأخرى استرشاداً بالمبادئ نفسها والتي تعرض الآن على تايوان، علماً أن سكان هونج كونج وتايوان هم في الغالب من قومية (الهان) الحاكمة على خلاف التيبتيين والإيجوريين الذين تربطهم بالصين المصالح والحكم الرشيد المطلوب، وليس الروابط العرقية والثقافية، لذلك يمكن إدراج هاتين القوميتين ضمن (المؤلفة قلوبهم) الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة بالتي هي أحسن، وليس بالعصا والقيود، علماً أن الإقليمين لم يندمجا في الصين الكبرى إلا منذ وقت قصي بحساب الزمن، وذلك مع بدء حكم الشيوعي الصيني عام 1949 وماتلاه، ومعنى ذلك أن ذاكرة السكّان لا تزال تمد جذورها في أوضاعها لاقديمة، وهذا لا يغيب عن حكمة بكين وفطانة حكمائها وموروثها التاريخي العريق في الحكم والسياسة لقد ارتفعت نسبة السكان (الهان) في سنكيانج من 6% عام 1949 إلى حوالي 50% حالياً، وبهذا القياس فلن يمضي سوى وقت قصير حتى تكون لهم الغالبية المطلقة لأنهم يتزايدون بالهجرة الكثيفة وليس بانو الطبيعي كما هو حال الإيجوريين والتيبتيين. ويبقى أن المهاجرين (الهان) يتحرّكون مع حركة العمل والإنتاج، أن أنهم جزء من الإقتصاد الحديث الصناعي، فيما السكان الأصليون ينزاحون إلى الأرياف والإنتاج الزراعي، وفي هذا تتفاوت الدخول، فإذا أضفنا إلى ذلك الحواجز اللغوية والثقافية التي تحول بينهم وبين مجاراة الدفق القادم من المركز، ومن القومية الرئيسية (الهان) سنصل إلى نتيجة مؤداها أن الأمر لا يمكن أني ترك لتفاعلات ذاتية قد تقود إلى عواقب وخيمة، وإنما يجب أن يضبط.

إن إقليم (الإيجور) في سنجيانج ليس مجرد ضاحية لذلك البلد القارة، وإنما تبلغ مساحته سدس مساحة الصين أي 1,646،800 كم مربع، أي أنه بمساحة إيران تقريباً، وله حدود مع ست دول في آسيا الوسطى، وهو ثاني منطقة صينية منتجة للنفط، ومن صحرائه ينطلق برنامج الفضاء الصيني، وعبره تمر أنابيب الغاز والنفط الممتدة من آسيا الوسطى إلى المناطق الصناعية في الصين. إقليم بهذه الأهمية لا يمكن معالجة مشاكله بإنكارها أو التهديد بالإستخدام المفرد للقوة وفرض سياسة الأمر الواقع فرضاً، وإلا ربما زاد الأمر اشتعالاً وخرج عن السيطرة، وساعتها قد يكون العلاج أكثر صعوبة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s