فضيلة بين رذيلتين

تفتقر الحياة السياسية العربية إلى الشجاعة والإقدام على تحويل دفة السفينة خاصة إذا كان واضحاً أنها تسير على غير هدى أو على سنن الهدى، وهذا يؤشر إلى تعدد مراكز القرار وإن بدت على السطح متجانسة متناغمة فإنها في العمق لا بد أن تكون متنافرة متلاومة تجنح إلى إبقاء الأمور على حالها… وهو الأمر الذي يسمم الحياة السياسية السوية لأنه يعمق إنعدام الثقة وقراءة أي كلام على غير ظاهره ومنطوقه، وهذا يذكرنا بالمثل “اسمع كلامك تعجبني أشوف أفعال أتعجب”. السلطات والمعارضات في غياب الشجاعة والإقدام ونضوب الخيال الخلاق تسير على مألوفها وتتمسك بحذافير أطروحاتها، حيث يغيب عنها أن الفضيلة نقطة وسطى بين المثال المستحيل والرذيلة المنكرة، وأن الشجاعة نقطة وسطى بين التهوّر الأحمق والجبن المذموم، وأن السياسة الرشيدة نقطة وسطى بين أطراف تشد البساط من أطرافه وهي تتجاهل أن دائرته المتسعة انطلاقاً من الوسط يمكنها احتواء الجميع. في هذا الاستقصاء العقلي في الأساس والمنهجي في التطبيق يسود الحمقى من القوم، يتشاوطون بالأقدام، ويتنابزون بالألقاب وهم يستعرضون مهارات بدائية قد تصلح لأطفال يلعبون الكرة في الحارات الخلفية ولكنها حتماً ولزاماً لا تصلح لعقول نابهة مسؤولة تقدر المخاطر وتتجنب العوائق وتعمل على حسن النوايا كما يعمل الحائك وهو ينسج خيوطه ويحكم عقده ويتفنن في ألوانه ويبدع في حواشيه…

ما من طرف في حياة الشراكة السياسية يمكنه أن ينفرد بصناعة القرار بنسبة مائة في المائة، وإلا كان كمن يلغي اللعبة من أساسها ويدعي الانتصار دون أن يخوض المنافسة… وحتى لو انعدم المعارض الفعال المشارك في الحلبة فسيخترع جهاز المناعة الحاكم معارضين من داخله قد يكونون أشد خطراً لأنهم يعلمون مواطن الضر والضرار، وقد عايشنا عائلات مالكة حاكمة وفيرة المصالح قليلة العدد يجمعها مصي مشترك… وقد عمدت في البدء إلى قمع كل معارضة من خارجها وإفنائها حتى ظنت أنها في مأمن، وأن الجو قد خلا لها، فلما استيقنت إذا بعوامل الصراع الكامنة تطل برؤوسها م زوايا البيت المحصن كرؤوس الثعابين، ذلك أن العدو الجامع قد اختفى ففوض باختفائه استراتيجية البقاء وخططها. قبل انهيار الإتحاد السوفييتي بفترة وجيزة تحدث سياسي روسي إلى زميله الأمركي قائلاً: “سنفاجئكم بسلاح لا قبل لكم به، فظن الأمريكي أن ذلك من ذخيرة الصناعات الحربية الواقعة في نطاق السرية الكاملة، ولكن الروسي قال له: “لا تذهب بخيالك بعيداً، فالسلاح المقصود هو حرمانكم من العدو، ذلك أن كل حياتكم ونظرياتكم ومعاملكم واقتصادكم وتوجهات خيرة عقولكم قائمة على هذا الإفتراض، وبدون العدو ستحارون فيما تفعلون، وستنقلب أولياتكم رأساً على عقب، كما سترتبك تحالفاتكم حول العالم، والحقيقة أن أمريكا لا تزال بعد عقدين من الزمن تتخبط في دهاليز غياب العدو المظلمة، ولذلك تبحث عن عدو بديل ولو كان هلامياً وهمياً (لو لم نجده لاخترعناه)، لذلك فإن العمل السياسي العاقل يحافظ على معارضيه كما يحافظ على أنصارها، وربما أكثر، فهو يؤلف قلوبهم مع قلبه، ويفسح لأحصنتهم الشوط لكي تتباهى خيوله بأعرافها وطيرانها في الماضمير، وهو يتحمّل غثاثتها ويصفح، وأحياناً كأنه لم يسمع، لأنهم بعد ذلك يتنفسون، وإلى محازبيهم يتوسلون، فإذا ما زاد الحاكم من فضله فلم يحقر مراكزهم ولم يسخف آراءهم وأجلسهم بين الحين والآخر إلى جانبه على الأرائك متكئين، فإنه بذلك يكون قد قطع ثلاثة أرباع الطريق دون أن يخسر شيئاً، إلا إذا كانت مفارقة الحمقى خسارة، وهم أولئك الذين يرون النار فيحملون إليها الحطب والبنزين بدلاً من الماء.

السياسية فنٌ رفيع كسلم الشعر “إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه… زلت به إلى الحضيض قدمه”، ومن ثوابتها أنك “إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يستطاع”، وهذا برسم أولئك الذين أضاعوا المشتين “فلا ذا تأتى ولا ذا حصل”، من جماعة “اشتهي لحم كبشي واشتي كبشي يمشي”.. ربنا يعطينا العقل لكي نفسهم قلة العقل، فالبعض يحفر وهو داخل الحفرة، وكلما عمقها غاص معها، حتى يعجز عن الخروج، “وعلى نفسها جنت براقش”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s