حُمَّى الاتِّصالات…

حُمَّى الاتِّصالات تجتاح العالم في ثورةٍ غير مسبوقةٍ أين منها حُمَّى إنفلونزا الخنازير التي خرجت عن السيطرة، حسب مُنظَّمة الصحَّة العالمية.
حُمَّى الاتِّصالات تتغلغل في السراديب المُظلمة التي لم يكُن مسموحاً بالاقتراب منها إلاَّ للعسس المُختارين والعُيون الساهرة وزُوَّار الفجر تحت طائلة النطع والسيف وقصّ الرقاب لِمَنْ حاد عن الخُطوط المرسومة أو أفشى الأسرار المكتومة من هؤلاء الذين يخافهم الناس وهُم الأكثر خوفاً، فوضعهم كوضع راكب الأسد.

أصبح التليفون المحمول حكومةً إعلاميةً كاملة المُواصفات، فهُو يلتقط مُجريات الأحداث ويُخزِّنها ويُحمِّلها على الكمبيوتر الذي يُرسلها إلى الأقمار الصناعية التي يزدحم بها الفضاء، والتي تُعيد بثّها إلى الفضائيات الأرضية التي تُرسلها إلى ملايين الشاشات في المنازل وفضاء الأعمال وعلى الهواتف النقَّالة، ومن ثَمَّ تفعل فعلها في عُقول الناس وضمائرهم وتُغيِّر ما شاء لها الجبروت الناعم في دوافعهم ووعيهم وحركتهم وتماسّهم مع بعضهم البعض.
وإذا أخذنا المسافة الزمنية ما بين حرب الخليج الثالثة، التي جرى عبرها احتلال العراق، وما بين أحداث إيران الأخيرة، التي أعقبت الانتخابات، سيتبيَّن لنا مدى تسارع ثورة الاتِّصالات العابرة للقارَّات انطلاقاً من أيَّة نُقطةٍ في الكُرَة الأرضية وبدُون الحاجة إلى وسائط نقلٍ حُكوميةٍ وطنيةٍ يتمّ التحكُّم بها مركزياً، ففي غزو العراق 3002م لم يكُن التليفون المحمول المُرتبط بالكمبيوتر والأقمار الصناعية قد تسنَّم عرشه الذهبي، لذلك كُنَّا محكومين بالفضائيات ذات الأجندات وفقاً لمصالح الدُّول، وكان الرشّ الإعلامي محدوداً ووحيد الجانب غالباً، خاصَّةً حين منع الجيش الأمريكي المُراسلين المُستقلِّين واصطحب بمعيَّته مُراسلين مُختارين يصدعون بما يُؤمرون بعد أن تمرَّ كُلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ بمصفاته تحت حُججٍ قديمةٍ مثل حماية القُوَّات المشاركة وسرِّيَّة الخُطط وحرمان الأعداء من المعرفة ليبقوا في عماهم… إلخ من المنظومة التي أسقطها التطوُّر التكنولوجي، حتَّى أنَّها اليوم تبدو مُهلهلةً كالثوب المُمزَّق لا يستر عورةً ولا يسرّ عيناً ناظرة.
أمَّا في أحداث إيران، حيثُ لجأت الدولة إلى ما اعتادت عليه، شأنها شأن الدُّول الأُخرى الشبيهة إلى المنع والرقابة والتشويش وتعطيل الشبكات المُتَّصلة بنبض العالم، فقد ثبت بالملموس أنَّ مثل تلك الإجراءات مثل مَنْ يُحاول اصطياد الرياح بمنخل، فبدلاً من مُراسلٍ واحدٍ أصبح هُناك عشرات الآلاف من المُراسلين الهواة الذين يُطلعون العالم على ما في الأعماق مثلما تفعل أشعَّة إكس في مخابر المُستشفيات، وقد أُطلق على هذه الظاهرة المُستجدَّة اصطلاح «صحافة المُواطنين».
يقول «ماثيو ويفر»، الذي يعمل في مجال التدوين لصالح موقع صحيفة «جارديان» البريطانية على شبكة الإنترنت : «إنَّ الأمر يتعذَّر تصديقه من حيثُ حجم الموادّ الإعلامية المُتدفِّقة من إيران، فعندما تندلع المسيرات والصراعات تظهر الرسائل أوَّلاً على موقع (تويتر)، ثُمَّ تليها الصُّور، ثُمَّ مقاطع فيديو على (يُوتيوب)، ثُمَّ البرقيَّات، وهذا أمرٌ فريدٌ من نوعه».
ويقول «بيل ميتشل»، المسؤول البارز في «معهد بُوينتر»، وهُو مُؤسَّسةٌ تعليميةٌ أمريكيةٌ لتخريج الصحفيين : «إنَّ مُستوى مُشاركة المُستخدمين في تغطية الأنباء الإيرانية يُوحي ببزوغ فجر نهجٍ فكريٍّ جديدٍ في عالم الصحافة، فبدلاً من الاقتصار على المقالات الناضجة التي يكتبها صحفيُّون مُحترفون، تتمثَّل الفكرة الجديدة في النظر إلى الحدث عن كثبٍ أثناء تتابع أحداثه».
ويقول «نيكوبيتني»، مُحرِّر الأخبار البارز في «هفنجتون بُوست» : «تلقَّت مُدوَّنتنا ما يزيد على مائة ألف تعليق، وسجَّلت الصفحة أكثر من (5) ملايين مُشاهد».
إِذَاً، نحنُ أمام عالمٍ مُتغيِّرٍ جديدٍ كُلّ الجدَّة، وهُو يُعمِّق مساراته على مدار الساعة، بما يُعجز أيّ جهازٍ رسميٍّ مُعيَّن بالمُراقبة، ولا حلَّ لهذا التطوُّر سوى التسليم بمرئياته والانقياد إلى تيَّاراته ومُجاراته في الشفافية، لتكون السُّلطة الرابعة فاعلةً بحقٍّ ومُتمكِّنةً من دفع المُجتمعات إلى الأمام، وبدُون مثل هذا الفهم المُعاصر والواعي، ستلحق تشوُّهاتٌ بالمنظومات السياسية والفكرية والاجتماعية، وقد يتعذَّر إصلاحها.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s