حاذروا الشعارات

الشعارات تختصر التوجهات وتطويها في إيحاءات اللغة وفخاخها، وقد تحوُل بين العقل والنظر وبين البصيرة والتأمل وبين التجربة السابقة وما أضافته للوعي وما اجترحته من سبل العمل. ولأن اللغة في حرب ضروس مع الواقع الذي لا يجد لغة للمواجهة غير مفرداتها هي فإنها تسعى جاهدة لتحل محل الواقع والوقائع وتلغيهما، وتسجل على نفسها أنه لا مرجع سواها، ولا دليل غيرها، وهذه المقاربة الخطرة غير المدركة تنتهي إلى تشويه الوعي الإنساني وإرباك المآلات وإحباط التوقعات التي صدمتها الشعارات ثم عجزت عن الوفاء بها. وفي هذا الإطار نلاحظ أن التحولات الكبرى في التاريخ تدشن فعلها باستبدال اللغة، لأنها لا تستطيع إطلاق الجديد بلغة قديمة استنفدت أغراضها وتعثرت في مساراتها وناقضت تيار الحياة الذي يظل يتدفق خارج قنوات المشروعية حتى يجد لغته التي تفننه وتعرّف به وتنقله من الإبهام إلى الوضوح، ومن الخفاء إلى العلن، ومن التستر إلى التسيّد.

وفي اللغة البازغة تولد الحضارة وتتربى الثورات وتتسع مدارات التفكير والإستكشاف، حيث يشعر الناس كأنهم تخلصوا من أسر شرنقة كانت تحول بينهم وبين الحركة، بل إنها تجرّم أحلامهم وتحاسبهم على النوايا إذا شعرت أنهم يخالفون منطقها. وفي اللغة الغاربة تتعفن جثث الأفكار المنتهية الصلاحية حتى تزكم الأنوف، وأشد ما تكون اللغة الغاربة وطأة عند اقتراب أفولها النهائي فهي كالشمعة تطلق أعلى أضوائها في لحظات الذوبان الأخيرة.

حين أنزل الله سبحانه وتعالى أولى آيات الكتاب {إقرأ باسم ربك الذي خلق} كانت دعوة إلى لغة رسالية جديدة لا عهد للعرب بها، فقد وصلت لغتهم القديمة إلى ذورة الهاوية، حيث عبادة المألوف ونضوب الإبداع وانسداد آفاق الأمل، والعمل باتجاه مستقبل مبشر لا منفر. جاءت لغة الرسالة قطعاً مع الماضي وترسباته وزخرفه، وقد احتاجت إلى سنوات مديدة لإرساء مفاهيمها ومعانيها وتبيان آفاقها بين متحمّس شديد الإحتفاء مبهور بأنوار الأحرف ومحمولات الآيات وشمولية السور وبين منكر شديد الإنكار لم ير في اللغة الجديدة سوى إحلال مُلك محل ملك، وتقويض عقائد راسخة استقرت في النفوس والأذهان، وهذا النفر لم يوفر وسيلة إلا واستخدمها لإطفاء النور {والله متمٌ نوره ولو كره الكافرون}.

الثورة الزراعية العظمى التي نقلت البشر من ترحال الغاب ولاصيد إلى استيطان الأرض واستيلادها من الثمرات وتدجين الحيوانات لتستقر باستقرار الإنسان كانت قراءة جديدة لا شك أنها وجدت من يشكك فيها ويعارضها، بل ويحاربها لأنها خروج عن المألوف الذي كان عليه الآباء، وتلك القراءة أنتجت لغتها التي كانت كامنة، فتجسدت أسماء وتأملا في المواسم والدورات المطرية والفصول التي تداولها الشمس ثم فنون العناية بالمزروعات وإدراك أوقات نضجها وقطافها ومن ثم تخزينها وصيانتها.

هذه اللغة استغرقت أجيالاً عديدة حتى استقرت رسماً وفناً وأدباً وعلماً بانتظار العصر الصناعي الذي نقل الإنسانية من التقليد إلى الإبداع والخلق وإعمال العقل في آليات القوانين الكونية وطرق تحويل المواد الطبيعية وصولاً إلى فك ألغاز المعادلات والنسب وآليات التفاعل، وكانت لغة جديدة جذبت معها النفوس والأفكار نحو التنوير وإعلاء العقل ودربة الحواس باتجاه الإتقان، وجاءت الحصيلة على قدر التوقعات تحرراً من رقبة الكنيسة وظلامية العصور الوسطى، وتعميقاً للنظر الفلسفي والتماهي مع الكون حتى أصبح تجدد اللغة وتحطيم الشعارات الصنمية الشغل الشاغل لقادة التنوير وحملة مشاعل الطريق الجديد. من الذي يستطيع اليوم الإدعاء بأنه محيط بجذور الظواهر، أو أنه قادر على التنبؤ بمآلاتها وصيرورتها؟ الجهلة المحدودون وحدهم من يقولون هأنذ، وهؤلاء هم كتبة الشعارات التي تحاول أن تضغط مجرة في كبسولة…

حذار من خداع الشعارات، ومرحباً بلغات الفتوحات والإبداع والتجدد والخلق الدائم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s