الولايات المتحدة الإفريقية

(الولايات المتحدة الأفريقية) حلم جميل، ولمثله تضرب أكباد الإبل، ولكن ما بين الحلم وتحقيقه مجازات ومفازات وأغوار وأنجاد وأحوال وأهوال وسيوف وأموال ودماء وأصفاد وأساطير وأحافير وعنعنات قومية، وشنشنات شوفينية، وتدخلات استعمارية، وأطماع دولية في ثروات منهوبة، ونخب متواطئة منهومة، وشعوب مغلوبة منكوبة، وجيوش تدمي الوطن ولا تحميه، لذلك فإن الأمر بحاجة إلى إعمال النظر والتفكّر في العواقب وإمهال الزمن ما يطلبه من زمن حتى لا تعيد القارة السوداء إعادة إنتاج مآسيها، فقبل (الولايات المتحدة الأفريقية) ينبغي السعي الجاد المخلص لفض الإشتباكات الوطنية حيث النزاعات الدموية تضرب مناطق الضعف، على سبيل المثال في نيجيريا الأغزر سكاناً والأغنى في الموارد الطبيعية تشهد منطقة دلتا النيجر أعملا عنيق وانقسام ديني وتدمير للبنى النفطية وعمليات اختطاف للرهائن، وفي ساحل العاج تمرد بدأ في العام 2002م، فقسم البالد إلى قسمين، وفي أفريقيا الوسطى تتصاعد الهجمات المسلحة وأعمال السطو، وفي جمهورية الكونجو الديمقراطية يقوم الجيش بعمليات في الشمال، وفي جنوب كيفو (شرق) ضد المتمردين الروانديين الهوتو، وفي السودان صراع مزمن في الجنوب ومأساوي في دارفور، وفي غينيا ذيول انقلاب عسكري جرى عام 2008م، وفي موريتانيا بالكاد تنفس الناس الصعداء إثر الإنقلاب العسكري الذي أطاح برئيس منتخب وفي النفوس ما فيها حتى الإنتخابات القادمة، وفي الصومال حدّث ولا حرج، حيث تتكسر النصال على النصال بين رفاق الأمس أعداء اليوم، وحيث بلغت مستويات القرصنة حداً هدد التجارة الدولية وخطوط الملاحة العالمية، وبوروندي تحاول منذ 2006 استنقاذ ما يمكن إنقاذه عقب حرب أهلية دامت ثالثة عشر عاماً، وفي مدغشقر أزمة سياسية واجتماعية حادة بعد خلع الرئيس مارك رافالومانانا، وما بين تشاد والسودان ما فعل الحداد، وفي الصحراء الغربية السكان تحت السلاح، والجيش المغربي على الخطوط، والجزائر لديها ما تقوله وما تفعله دائماً، لذلك فالعلاقات بين الشقيقين على شفا، والحدود مغلقة ومصالح الناس في السياحة والتجارة معطلة منذ أكثر من عقد من الزمن، وهذا الخلاف أدى إلى أصابة الإتحاد المغاربي بالشلل، ومن ثم بانتظار السكتة القلبية، وانتظار رصاصة الرحمة، وعلى شواطئ المتوسط يتجمع مئات الآلاف من الهاربين قادمين من أعماق القارة وحوافها لعلهم يحظون بفرصة الوصول إلى أوروبا ولو للكنس في الشوارع، وأوروبا الديمقراطية وحقوق الإنسان: ومن شرّع نهب أفريقيا وإفقارها وتقسيمها شيعاً، أدارت لهم ظهر المجن، تتعقبهم في البحار آناء الليل وأطراف النهار، ومن نجح في التسلل يسير في شوارع بلدان الإتحد الأوروبي بلا هدى وبلا أوراق ثبوتية، تطارده الأشباح، ولا يلبث حتى يقع في يد الشرطة التي تعيده إلى بلاده مرغماً. هذا ولم نتحدث عن الجمر الذي تحت الرماد ينتظر نفخة نافخ ليغدو ضراماً، ذلك أن الكثير من البلدان الأفريقية – المستورة حتى اللحظة – تختزن في أعماقها ما تختزنه البراكين، وتأمل قضية الطوارق الذين يتوزعون على خط الصحراء الشمالي حيث يرميهم كل بلد إلى الآخر علماً أنهم الأقدم وجوداً في تلك الأصقاع المترامية.

الشاهد أنه لا يمكنك التفكير في الشروع ببناء الطابق العاشر وأنت لم تحفر الأساس ولم تشيّد الطوابق التسعة، وللزعيم الليبي معمر القذافي نوايا حسنة جداً ومبادرات جريئة جداً، ورؤية بانورامية لقارة شاسعة تتعايش فيها الذئاب والحملان والثعالب والصيصان، وتخرج من جلدها لتكون كما ولدتها أمها صفحة ناصعة البياض تنتظر من يخط فوقها أبجدية الحب وفصل الخطاب، ولكن التاريخ البشري وتجارب الشعوب والأمم لا تعطي الكثير من التفاؤل في هذا الإطار، وقد تابعنا في (سرت) الليبية حيث القمة الأفريقية الهموم والوجوم على الوجوه، وقارنا ذلك بقمم الإتحاد الأوروبي حيث الإبتسامات تمتد ما بين شحمتي الأذنين، والملفات مرتبة، والقرارات الناجزة المدروسة تصدر للتطبيق لا للتصفيق، ذلك أنهم يعملون في إطار الممكن، والسياسة كما قيل “فن تحقيق الممكن”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s