الأرض بتتكلم عربي..

يبدو العالم أشبه بثعبان ضخم ضاق به جلده أو ضاق عليه فاتجهت قواه الحيوية الباطنية إلى تشقيقه ثم تمزيقه بانتظار نمو جلد جديد يسهل حركة الثعبان.. العالم في حجمه الجديد وحركته المستجدة.
ولا أعتقد أن الثعبان – العالم – قد ضاق بجلده أو ضاق عليه جلده عبثا، وإنما هي قوانين النمو والتحولات الكبرى التي تجري بعيدا عن أعيننا فلا تلبث أن تتراكم في حركة تشبه حركة المد حين يعقب الجزر، وما نحن أفرادا وشعوبا ودولا صغرى وكبرى سوى تلك السفن التي تعصف بها الرياح السارية والأمواج المتلاطمة في أحسن الأحوال وقصارى جهدنا أن نتكيف مع تلك التبدلات والأحوال وأن نكيف من أوضاعنا قبل السقوط في اليم، أما في أسوأ الأحوال فما نحن سوى الغثاء الذي يطفو على سطح التيار تيَّاهاً متباهياً وهو بلا وزن ولا هدف ينتهي في مزابل النفايات على الشطآن البعيدة الغريبة.
كثيرون يتحدثون عن دول عظمى تدير العالم كيفما تشاء وتفرض إرادتها ومصالحها هنا وهناك، ولو تأمل المرء في حقائق الأمور العميقة لوجد تلك الدول مسوقة بقوة التيار مدفوعة بالرغبة والرهبة، بالأوهام والتمنيات ليس إلا، أما على الأرض فالقوانين الكبرى والوقائع الصلبة ترسم خطوطا حمراء في كل اتجاه، بمقدار ما تنصب من فخاخ ربما يستطيع الصغير الخفيف النفاذ منها، أما الضخم الثقيل فإن وقعته قد تكون أشبه بذلك المصارع الفرنسي “العملاق” الذي يعرفه محبو المصارعة على الشاشة الصغيرة حيث يغدو كالثور الذبيح الذي تتصيده الدبابير وتوسعه لسعاً، وذلك إذا لم يتثبت أمره ويعرف حدود قوته.
ولئن بدت بعض الدول كالبواخر العظمى المصفحة المسلحة بكل أنواع الأسلحة، وحولها بعض الدول تشبه الطوربينات والغواصات القادرة على الاختفاء والظهور حسب مصالحها واتجاهات الرياح فإن هناك بعض الدول الصغيرة تبدو مثل قوارب الصيد البدائية أو مراكب العشاق الرومانسية تتفرج من بعيد على ما يجري دون مبالاة “لأني ما انتفعت بأن أبالي” وهي على كل حال تحمد الله على السكينة وهدوء البال والأعصاب وشعارها المعلن والمبطن هو من تزوج أمنا فهو عمنا.
وللأرض والقاطنين فيها دورات من الحياة والموت والنماء والعماء والانطلاق والتعثر ومن يراقب فصولها وتبدلاتها قد يخلص منها بغنيمة أو حتى بجلده و”لا تنفذون إلا بسلطان”.
هي الليالي كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
أما أولئك الذين يضربون في مناكبها “عمياني” لا خطط حقيقية، ولا فاعلية ملموسة ولا مشاريع ذات جدوى، ولا ضبط ولاربط إلا بالكلام و”البروباجندا” فقل عليهم السلام، لأنهم لا يأمنون في أول منعطف أن يأكلهم الذئب، فياما أكلت الذئاب من القطعان البلهاء التي لا تنشغل سوى بقضم الحشائش وما تيسر من خشاش الأرض. وهل كانت قصة الاستعمار ومأساة العبودية وتدمير المواريث الحضارية لشعوب وأمم بأسرها سوى هذه القصة المستعادة، وكما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ فإن المستعمَرَ “بفتح الميم” يمهد الأرض لمستعمر حتى ليكاد يدعوه والحديث الذي يدور في الأرجاء حول “الدول الفاشلة” ليس حديث كهانة، وإنما صدق وقيافة وميدانية وقص أثر لمخلفات الفساد وروائح العفونة وانعدام الأمل لدى عامة الناس حيث العلاج بالحبوب الكيماوية لم يعد مفيدا، وحتى “الكي.. الذي نقول عنه أنه آخر الدواء أصبح لا يجدي فتيلا، ذلك أن المطلوب هو إجراء عمليات جراحية كبرى، لمريض استشرى السرطان في جسمه، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت.
وَيْلِيْ عليكِ يا أمنا الأرض كم تسوميننا العذاب وكم تمنحيننا من الدروس والعبر، ولكن: لقد أسمعت لو ناديت حيا… الخ.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s