أوراق منسية (8)

كان الجموح قد أرهق الطموح، وتقطعت السبل بساري الليل في صحراء التيه وملكوت الروح، وناءت القافلة بحمولتها من الأحلام الممزقة والمنهوبات العاطفية المعلقة من عراقيبها، وكان لا بد من صبح يجلّى وينجلي “وما الإصباح منه بأمثله”، الذاكرة تغرق في الومض الخلب، يتناوشها الحنين، ويدميها الأنين. العشق عناء وضنى “يا معين الضنى عليّ أعني على الضنى”، تلوح الطفولة في قرى المحبوبة وبساتينها العامرة، وعيونها الدامعة، وأحضانها الدافئة، “كباقي الوشم في ظاهر اليد”، أين مني طرفه وخولته، والمجنون وعامريته، وجميل وبثينته، وكثير وعزّته، وديك الجين وجاريته التي حوّل رمادها إلى كأس للصهباء؟ أين مني امرؤ القيس وضجيعته المرضعة:
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له=بشق وتحتي شقها لم يحوّل
أين مني وروميو يرسل ألحانه إلى النجوم تحت نافذة جولييت، أو آنا كارنينا الضائعة بين المجون والقداسة وإشعال قلوب الفرسان العشاق يتساقطون كالفراشات الذهبية في النار المقدسة؟ أين مني زوربا اليوناني، يقدك نساءه قدح الزناد، ويشعلهنّ مع لفائق تبغه، وهو يدرك أي سعادة عابرة يمنحهن في تيبّسهن فوق أحداق الزمن العابث، وفي صبواتهم إلى اللذة الراحلة في انطفاءات الغروب؟ أين مني غصن القنا مطهر العابرة وادي بنا منذ خمسين عاماً دون أن تصل الضفة الأخرى من القلب؟ أين مني عبدالرحمن بن يحيى الآنسي، نشيد الإنشاد، في توله الخراعيب الكعاب وذوبان الأكباد:
هل سمعتم بروحين حلا في جسد=أو بجسمين قد قاما بروح؟
ما سمع ذا ولا رأى ذا أحد=إنما الوالهة من عهد نوح
أخبرت أنه للح حد=من دخل فيه مسكين قد يروح
أين مني نجله الرقيق منجم أكمام الأشعار الحالية المصانة كعناقيد العنب في الأسمار القاضي أحمد بن عبدالرحمن الآنسي:
ربة القرط والوشاح=واللمى الحالي البديد
تأخذ الصيد بالصفاح=وبألحاظها تصيد
قتلتني بلا سلاح=وادعتني لها شهيد
ما أقول في الغرام آح=ينقص العمر أو يزيد
نعم… لا فرق… أين مني ويحيى عمر اليافعي “جواب العصور” بحثاً عن أصيلات المهور من ربات القصور والخدور:
يحيى عمر قال شليت العجب=يا سلوة القلب واللون العجيب
يا بهجة العاشقين أهل الزلب=يا طب لاجساد ما مثلك يطيب
له مية سنه حعيد أسودج عذب=مصبوغ بالعطر والكاذي وطيب
وغرته بدر مجلي في رجب=زاهي بهي من طلوعه للمغيب
وأعيان حمرا كما جمر اللهب=على النظر برق يلمع في الخصيب
قلت لها: أيتها الغابة المسحورة، أين ابن النقيب من كل هؤلاء، إلا كما يكون اللمع من برق الجبال ومضة في الخيال
أنت فقط من أعاد رسمي
ونفخ فيه الروح
كيف عرفت يا حبيبتي
بأن قلبي غابة منسي؟
أطيارها من النحاس، غصونها فضية
وهذه الجداول السراب… مياهها وهمية
كيف زرعت ألف نخلة، وألف وردة جورية
وكيف فجرت الينابيع من المحاجر الصخرية
كيف أعدت لي طفولتي، وكتبي المنسية
وأصدقاء رحلوا وقصصاً وردية
كيف أعدت كل هذا… كيف يا صبية؟
ولا يزال السؤال معلقاً في قرط الصبية التي اختفت:
تشكو من الدينا وهل من معتبر=جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s