ثروات البحار…

الجُمهورية اليمنية دولةٌ بحريةٌ بامتياز، تمتدّ شواطئها على (3) بحارٍ دوليةٍ لأكثر من ألفي كيلو متر، وما الكُتلة الجبلية التي نتزاحم فيها ونتقاتل على كُلِّ شبرٍ منها سوى وشْيٍ في هذا الثوب البحري الأزرق العامر بالثروات الطبيعية المُتجدِّدة التي تُغري الغُرباء قبل الأقرباء ويصرف النظر عنها أهلها الأولياء، كأنَّ المُحيطات حملت إليهم هذه الرقعة مُصادفةً وسترحل بها غداً دُون عودة، لذا فما حاجتهم إلى العناء ومُصاولة سُبل البقاء؟
هذه الغفلة الغفلاء هي من باب جُهد البلاء الذي ينبغي علينا دفعه بكُلّ السُّبل، وفي مُقدِّمتها توجيه الشباب وتوعيتهم وتعليمهم وتبصيرهم ليخرجوا من ضيق الجبال إلى سعة الشواطئ والبحار، ومن شُحّ الأرزاق إلى الوفرة والثروة وانفتاح الآفاق، لعلَّنا نتذكَّر أنَّ الصحارى المُترامية، التي غفلت عنها العُيون واعتبرها البعض من الأراضي الدُّون، هي اليوم مصدر أعظم ثروةٍ تدفَّقت في تاريخ البشرية، وأعني بذلك النفط، وغداً ومع التطوير الحثيث للطاقة النظيفة غير الناضبة، ستكون الصحراء، موئل الشُّموس الحارقة، هي الملاذ، مَنْ عاذ بها عاذ، وَمَنْ نام عنها كان مثله مثل الراعي الساهي اللاَّهي في أرض مسبعةٍ :
«وَمَنْ رعى غنماً في أرض مسبعةٍ
وغاب عنها تولَّى رعيها الأسدُ»
وهكذا هُو حال البحار، التي رُبَّما ليست في الحُسبان لدى أصحاب القرار وذوي الشأن، وممَّا يذكره التاريخ في هذا الصدد أنَّ رُوسيا القيصرية باعت «ألاسكا» الشاسعة الواسعة لأمريكا مُقابل سَنْتَيْن – فقط – للفدَّان، ظانَّةً أنَّها ترمي بقطعةٍ من الجليد لا فائدة تُرجى من ورائها، وقد دار الزمن دورته وتطوَّرت عُلومه، فإذا بتلك الأرض تتكشَّف عن ثرواتٍ من المعادن والطاقة وثمرات البحار، ما جعل الرُّوس يعضُّون أصابع الندم، ولات ساعة مندم :
«وعلمتُ حين العلم لا يُجدي الفتى
أنَّ التي ضيَّعتها كانت معي»
ويعلم أهل العلم، الذين لا نسألهم، أنَّ البحار براري مغمورةٌ وجبالٌ مطمورة وثرواتٌ مكنوزة، وأنَّ فيها كُلّ ما في البرّ مُضافاً إليه عطايا الماء وهبات السماء وكُلّ عوامل النماء، وتجري الدُّول الواعية في عصرنا جري الوحوش، لتثبيت حُقوقها في مياهها الإقليمية وامتدادات حُدودها القارِّيَّة والجُروف وقيعان البحار الزاخرة بالترسُّبات المعدنية واحتياطيات الطاقة، وقد تأسَّست لجنةٌ دوليةٌ خاصَّةٌ تُسمَّى لجنة «حُدود الجرف القارِّي»، للفصل في النزاعات بين الدُّول البحرية المُتجاورة عبر التفاوض، وفي حال الفشل يُمكن الرُّجوع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي أو إلى أيَّة محكمةٍ خاصَّةٍ بكُرسيّ القضاء في هامبورج.
ويُذكر أنَّ 31 مايو المُنصرم كان آخر يومٍ لتسليم ادِّعاءات ملكية امتدادات الجُروف القارِّيَّة، وكان مُؤتمر الأُمم المُتَّحدة لتقسيم المياه الإقليمية، الذي انعقد عام 1928، قد أعطى مُدَّةً قدرها (10) سنواتٍ تبدأ من 13 مايو 1999 للدُّول التي لديها مُطالباتٌ بامتدادات حُدودها القارِّيَّة خلف حُدودها المعروفة المُقدَّرة بـ (200) ميلٍ بحري، على ألاَّ تتعدَّى المُطالبات (100) ميلٍ من النُّقطة التي يبلغ فيها عُمق البحر (2.5) كيلو متر، وأن لا يتعدَّى بُعدها عن الساحل (350) ميلاً.
لا أدري حقيقةً فيما إذا كُنَّا قد شاركنا في هذا الحراك الدولي واسع النطاق، علماً أنَّ هذه الحُقوق الدولية يحصل عليها مَنْ يعيها ويُطالب بها ويُثبِّتها في وثائق قانونية، وحاصلها هُو بمثابة استثمارٍ للأجيال القادمة التي قد تجد نفسها في «حيص بيص»، لأنَّ جيل الآباء والأجداد قد التهوا بخلافاتهم التافهة ومطامعهم ومطامحهم الباهتة المُضحكة عن الحُقوق الكُبرى لأوطانهم، فهُم يتقاتلون على «العصيدة» الموجودة في الصحن وينسون الحقل الذي يُغذِّي كُلّ العصائد، ولعلَّ لنا في تجربة «حُنيش» العبرة والتجربة، حيثُ خُضنا معركةً قانونيةً مشهودةً كان أصحاب العُقول والبحث والتوثيق هُم أبطالها، ولا أرى أن ننتظر حتَّى يأتينا من وراء البحر أو من إطلالات البرّ مَنْ يدَّعي بشيءٍ ليس له، فيكون مثلنا كمثل مَنْ ينتظر الغزو، مُؤجِّلاً التدريب وشراء السلاح وشحذ الهمم حتَّى يقع الفأس في الرأس.
لينطلق الشباب إلى بحارنا، ولتكُن الدولة والحُكومة وراءهم، «وَقُلِ اعْمَلُوْا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوْلُهُ وَالمُؤْمِنُوْنَ».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s