عدن … ورشة عمل

تحولت عدن – العاصمة الإقتصادية لليمن – إلى ورشة عمل دائبة الحركة، إن كان لجهة مشاريع التنمية والإسكان، أو ضمن الإستعدادات لـ (خليجي 20) الذي يتحدانا في الإنجاز، ويتحدانا في سباق الزمن، ويتحدانا – أيضاً – في الجودة، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أننا عبر السنين الماضية قد أهدرنا أوقاتاً ثمينة، وركناً إلى جهات تنفيذية تتخذ من سير السلحفاة مقياساً لسُرعتها، ومن البيروقراطية العقيمة مرجعية لتفكيرها، ومن الإنتصارات على الورق وتكرار المكرر بديلاً مريحاً عن صعوبات الواقع وتحدياته.

وما يجري حالياً في عدن بحضور نائب الرئيس والوزراء ورؤساء الدوائر التنفيذيين، وبتوجيهات وصلاحيات ودعم غير محدود من الأخ رئيس الجمهورية، هو نوع من أنواع الفزعة المحبّبة، التي يفترض أن تخرج من الهواية إلى الإحتراف، ومن الهبات إلى الثبات، وذلك لفتح الأبواب على مصاريعها أمام الشباب العاطلين، والتجار الخاملين، والسياحة التي تتلقى دفعة للتحفيز والإستثمار، وعَشر دفعات للتعطيل وتطيير السياح كما تطير الحمائم حين يحذفها حاذف بالحصى، أو يروعها مروّع بالعصا، أو يعبث بأمنها صبيان ليس وراءهم واجبات مدرسية.

ستثبت هذه الورشة – المباركة الضجيج – أن جراماً من العمل الملموس يفوق في تأثيره أطنان الكلمات الرنانة، والوعود الحنانة المنانة، عدن الجديدة المولودة من رحم الوحدة لن تُكلّف ميزانية الدولة ريالاً واحداً إذا ما وقفت على قدميها، وأفردت جناحيها، واستعادت روحها، وفعّلت موقعها، بل إنها سترفد الخزينة العامة بالكثير الكثير من عوائدها من الميناء والمطار والمنطقة الحرّة، ومن السياحة والأراضي الواسعة الشاسعة المحيطة بها، التي تنتظر الإحياء والنماء لتتحول إلى أرض جاذبة، بعد أن كانت طاردة، كما أن مصائدها الغنية – التي يرتادها لصوص الأسماك حول العالم – كفيلة بأن توفر أجود أنواع الأسماك المطلوبة محلياً وعالمياً، ولا أدري لماذا نخاف من إعداد الشباب لارتياد البحر وتمكينهم من شراء قوارب الصيد بالتقسيط ليُعيلوا أنفسهم وأهليهم، ولنشارك الآخرين القادمين إلى مياهنا لأخذ ما تيسّر وما تعسّر، دون حسيب ولا رقيب، فإذا كنا عاجزين عن ردعهم فعلى الأقل نشاركهم ونلزم – من يقع منهم في أيدينا – بتشغيل أيد عاملة، وتدريب جيل جديد من رواد البحر، وتحصيل غرامات تخصص حصراً لصندوق وطني ينمّي حرف الصيد وصناعة الأسماك على طول شواطئنا التي تزيد عن ألفي كيلومتر، كما يلزم التفكير في تخصيص جانب من هبات المانحين لأعمال إنتاجية مماثلة تدر عوائد مضمونة ضمن اقتصاد جديد يكسر صدفة الجباية التي قد لا تجد ما تجبيه، فتجبي نفسها.

عودة إلى الموضوع المثير الأثير، الذي طال تغييبه، وهو تأهيل العمالة اليمنية السائبة، وتمكينها من حرف بسيطة تزداد تعقيداً مع التراكم واكتساب الخبرات الميدانية، شأننا في ذلك شأن بلدان كثيرة مصدرة للعمالة، وربما كان أبرزها الفلبين، التي تزوّد العالم بالبحارة والممرضين والمهن الفنية المساعدة، وكذلك الهند التي اعتمدت على عوائد العاملين المؤهلين من شعبها، ثم اتجهت إلى النمو المُتصاعد وهي تستعيد اليوم ما أعطت باليمين بيدها الشمال، وقد نظرت إلى سوق العمالة في دول الخليج العربية باعتباره جامعة تقنية لصقل خبرات العمالة الهندية بالإحتكاك بخبرات من مختلف أنحاء العالم.

وكان الأخ الرئيس علي عبدالله صالح قد أشار مؤخراً إلى قرار عربي خليجي باستيعاب العمالة اليمنية المؤهلة، ضع عشرة خطوط تحت كلمة (مؤهلة)، وانظر خلفك في غضب لترى كم من الوقت نُضيّعه دون أن نؤهل، وكم جهة تعمل في هذا الإتجاه، سواء من مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص.

الأمر بحاجة إلى “فزعة” يقظة، تنفض السبات وتكف عن البكاء على اللبن المسكوب، لتتجه إلى العمل المصبوب، ذلك أن بين أيدينا ثورة بشرية مهولة، لكنها بحاجة إلى الصقل وإلى التنظيم، فالهجرة اليوم تنظمها الحكومات وتضمنها وتمنحها علامات الجودة، أما تركها على الغارب سداح مداح وكل واحد وشطارته، فلن ينتج عنها سوى الفوضى والمخالفات التي تمقتها الدول الجاذبة للعمالة، فالعامل اليمني متهم بالمخالفة حتى تثبت براءته، وإلى أن تثبت براءته يكون جلده قد وصل إلى المدبغة، ووفقاً للمؤشرات، فإن هذا العام والذي يليه سيشهدان تراجعاً اقتصادياً وتأزماً مالياً وربطاً للأحزمة القاطعة على البطون الجائعة، وهذا يقتضي إطلاق القوى الحيويّة للشعب لتعويض الفاقد، وإطفاء المواقد التي يؤججها الفقر الكافر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s