ممنوع الدعممة!!

مع الأسف الشديد فنحن لم نتعلم بعد آداب الاختلاف وكيف تتصارع العقول وتتواجه الحجج ويتجه الحوار إلى ضمائر الناس وسويتهم الإنسانية وفطرتهم التي فطرهم الله عليها من حب للعدل وكره للظلم وإعلاء لقيم السماحة والتراحم والأخوة، وتبصر لما في البناء من همم عظيمة ومقاصد رفيعة وما في الهدم من مفاسد ذميمة وطباع لئيمة، وبعد عن سنن الله في إعمار الكون والتسهيل على الخلق، وفتح السبل للأرزاق وأمان الأعناق وإعطاء كل ذي حق حقه حتى لا تكون فتنة تصيب الظالم والمظلوم، وتشمل المسيء مع البريء، فالظالم المسيء اغتر بقوة مستعارة تتبدل أحوالها مع تبدل عوائدها، حتى تتلاشى إذا لم يحسن استخدامها كأن لم تكن، وقد سألت ذات يوم الأخ محمد علي أحمد عقب أحداث 1986م في عدن: أين ذهب الأربعمائة ألف مقاتل الذين قلتم أنكم حشدتموهم في أبين للزحف على عدن لتكون الفاصلة بين الزمرة والطغمة، فتبسم الرجل كمن أبلس قبل أن يجيب: إن التحشدات كانت قائمة على قدم وساق وكانت أبين كخلية نحل، غابة من الرجال والأسلحة، ثم فجأة.. وأطبق محمد علي أحمد كفا على كف علامة التعجب والفجاءة، فجأة سرت روح الهزيمة بين عشية وضحاها. كنت في الليل واثقا من الاستعدادات، وما إن أصبح الصبح، ولا أدري ولا أحد غيري يدري ما الذي حدث، إذا بتلك الجموع قد هجرت السواحل والأراضي المنخفضة وأخذت تتسلق الجبال نحو ام ركبة وام سرة وام عين ودثينة ولودر ثم جبل ثرة وصولاً إلى مكيراس ومنها إلى البيضاء، يعني الأول لأمه والتالي للذيب.. كما يقول المثل، وخلال سحابة نهار خلت أبين من كل مقاتل وهو الأمر الذي لم يخطر ببال الطغمة فاستلموا أبين على طبق من ذهب. على كل حال ما أريد قوله إن الوصول إلى كلمة سواء بين أهل الوطن الواحد لا يحتاج إلى السباب والسخائم والشتائم من عينة ما رأيناه على شاشة الجزيرة التي تعمل على إذكاء النار بطريقة سوقية ولغة منحطة تخصص فيها مذيعها السمج فيصل القاسم بما جبل عليه من السطحية والإتيان بمن هم على شاكلته من سقط الناس ممن هم لا في العير ولا في النفير. على عقلاء القوم عدم الانجرار إلى هذه المزابل الإعلامية والارتقاء بلغة الحوار إلى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ذلك أن “جرح اللسان كجرح اليد” وكان الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: ليت لي رقبة جمل لأستعيد الكلمة الجارحة قبل أن تصل إلى مسامع الناس. والله جل وعلا يقول في محكم كتابه “إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”، ولكن الدفع بالحديث الحسن يقتضي العمل الصادق، وليس مجرد اتخاذ الكلمات ذرائع للتملص من الفعل الحسن، فالعدل هو أساس السيادة والملك:
فلم أر مثل العدل للمرء رافعا
ولم أر مثل الجور للمرء واضعا
آخر:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا
فالظلم مصدره يفضي إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم
ألا ما أقرب الطريق إلى قلوب وعقول الناس بالعدل والمساواة والرقابة الصارمة على وكلاء الدولة أيا كانت مسمياتهم، ممن يصعّرون خدودهم للناس، يسيرون في الحرام ويأكلون من الحرام، أخلاقهم التكبر، وفعائلهم التجبر يصطفون الإمعات ويقربون المنافقين، ويضطهدون الضعفاء والمساكين الذين هم ملح الأرض وأحباب السماء.
قال المنصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراد أن يوليه القضاء: ما كنت لألي هذا بعد ما حدثني إبراهيم.. قال وما حدثك إبراهيم؟ قال حدثني عن علقمة عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة، وأعوان الظلمة، وأشياع الظلمة، حتى من برى لهم قلما أو أصلح لهم دواة، فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في نار جهنم”. حقا إن الظلم مرتعه وخيم، ولا يسهر الليل إلا من به ألم. وفي مثل هذا الحال تحرّم “الدعممة” حسب التعبير الصنعاني الظريف، فالدعممة أي التجاهل الماكر ليست سوى رجس من عمل الشيطان.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s