سنغافورة وعدن..

في زاوية الأمس تحدثت عن سنغافورة وعدن اللتين كانتا فرسي رهان في اقتصاد الخدمات العالمي والاستفادة من استراتيجية الموقع أو عبقرية المكان على حد تعبير الدكتور جمال حمدان ، ثم تشعبت بالميناءين السبل فاتجهت عدن إلى اقتصاديات الفقر والإفقار والإجهاز على المبادرة الفردية فانطفأت مصابيحها واحدا إثر الآخر ونزفت كوادرها وعقولها ومقدراتها حتى عادت بقعة من الأرض غير مصنفة ولا مميزة هجرها الأهل قبل الغرباء ، وقد اقتاتت على لحمها زمنا قليلا كما يقتات الجمل من سنامه وخزانه إذا لجت به البيد وتعذر الماء والمرعى ، ولكن كل ذلك إلى حين، فهذه خزانات الضرورات القصوى ثم ينيخ الجمل فلا تقوم له قائمة ، وقد دخلت عدن بذلك نسق الشاعر الشعبي المكين عبدالله سعيد الخدشي الذي يضرب بهاجسه الحيد الصليب فيفلقه ، لعله أن يتفجر منه الماء:
يالخوان قلتوا راح وقت المستبد
وبايجينا وقت راقي با يرقينا
خرجنا من نكد وأنه تلقانا نكد
دايم يحاجينا النكد من حيث ما جينا
يامّة محمد ذه طبيعة في الجسد
وبانولّي والطبيعة باقية فينا
عيال إنسان وإنسانة ولد يقتل ولد
واحنا على نفس الطريقة مثلهم جينا
صحت لسانك يا شاعر ، ولكن على من تقرأ مزاميرك ، وما قدر الله يكون ، وبقية القصة معروفة ، وما يلكّد الماء إلا الأهبل وقليل التجربة.
أما عن سنغافورة التي جمعت إلى عبقرية الصين وحكمتها دهاء الانجليز وقدراتهم على تجميع الخيوط ونسجها ، فقد اتجهت بقيادة لي كوان يو (يسلم لي الاسم) والذي ترأس حكومتها لأكثر من 3 عقود، من عام 1959 إلى 1992م إلى الذّرى والعلالي ، فتحولت في غمضة عين من الزمن إلى أنشط ميناء بحري في العالم وثالث أكبر مركز عالمي لتكرير البترول ومركز دولي رئيسي للصناعات التحويلية ليرتفع بذلك متوسط دخل الفرد الحقيقي السنوي من أقل من 1000 دولار إلى 30 ألف دولار سنويا.
خلال 3 عقود كانت عدننا فيها قد نسيت الملاحة وتيبست مفاصل الخدمات فيها وأصبح تجارها الأغرار في القطاع العام لا يعرفون 1+1 كم  يساويان ، لكنها في المقابل أجادت فنون (الحكولة) وكيف يوقع الأخ أخاه على مطاويله بتقرير تخيلي توحي به الأجواء المريضة التي تتخيل وجود المؤامرات حتى في كأس الماء، وترى الأشباح في الظلال ، كما وأجادت عدننا – والحق يقال – فنون القتال ولبس الكاكي وشحذ السكاكين على الهوية، وتلك والله أدوات للموت وليست أدوات ومهارات للحياة ، والإنسان مكلف بالحياة، أما الموت فيلاحقنا تلقاء نفسه من المهد إلى اللحد ، ويصلنا ولو كنا في بروج مشيدة فلا حاجة به لخدمات إسنادية إضافية من أحد،
سأل لي كوان يو مضيفيه السعوديين : هل طرحتم على أنفسكم سؤالا: ما الذي سيزيد من أهميتي بالنسبة لدول العالم؟ ويجيب حتما أنها ليست رمالكم ولا جمالكم ، بل إنه البترول فهذا المورد نادر جدا، والسؤال هو: كيف نفعّل قيمة هذا البترول مع ندرته في المستقبل؟
هذا سؤال برسم الإجابة ولكن المغزى واضح في ترتيب الأوليات وأن يبحث كل بلد عما يميزه ويعمل على تنميته لا أن يشتت جهوده فلا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ، والموانئ اليمنية وفي الذروة منها عدن تتمتع بالفرادة وقابليتها لأن تبعث الحياة من جديد في الاقتصاد والمجتمع والثقافة ، ذلك أن المدن البحرية معروفة بقابليتها للجديد وانفتاحها عليه، أما (جيتوهات) الداخل فيعتريها الشك والتوجس من المعرفة الجديدة والحياة الجديدة وهي مستعدة لوأد مواليد الحياة إن لم يأتوا على شاكلتها.
يحكي لي كوان يو المطوق بالبحر والمياه الزرقاء إحدى البدايات الرائدة ، علما أن كل ريادة تحتاج إلى خيال وإرادة وتصميم على تخطي العراقيل وصبر (حذر) في توخي مواسم الإثمار والحصاد، يقول لي: منذ 25 عاما أحضر زملائي العالم (سيدني بريمير) للقائي، وكان متخصصا في علم الميكروبات، وشرح لي أن دولة صغيرة كسنغافورة إذا كانت لديها عزيمة وتبنت تطوير هذا العلم فإنها ستصبح ذا شأن لأن هذه العلوم أساسية للتقنية.
قلنا: فلنحاول وبدأنا بتأسيس المعهد العلمي للجينات البيولوجية واستقدمنا خبراء من بريطانيا والسويد واليابان ووسعنا عملنا معهم، وهكذا أصبحت لنا صناعة طبية متطورة للعقاقير.
المعروف أن سنغافورة أصبحت قبلة المرضى من أنحاء العالم. في عدن اليوم تحار لكي تحصل على من يعطيك الحقنة باتقان . أما صناعة الأدوية والنانو تكنولوجي فحديث خرافة وضرب من الخيال ، أظن أننا سمعنا كلاما كثيرا عن مهاتير محمد باني ماليزيا يصب في هذا الاتجاه: كيف نبدأ، ومن أين نبدأ الاثنان متفقان على أن أساس كل استثمار هو بناء الإنسان الفعال المواكب للعصر ، وهذا يعني إعادة فحص ركائز التربية والتعليم. واتخاذ قرارات قد تكون قاسية ولكنها ضرورية للتقدم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s