أما من إمرأة

أخذت أقلب في أوراق عفّرها الزمن، تتراكم دون نظام كما تتراكم الهموم في الإنسان والأوطان وبديهيات الإيمان، وما يعتور حياة الناس من رؤى الشيطان وأنفاس الرحمن، الأشقياء يغرقون في أبجدية اللحظة، وقد يقضي عليهم اليأس أو يفل من عزيمتهم، فيعجزون عن مواصلة السير، ذلك أن النصر والهزيمة ينبعان من العقل قبل أن يسلم المقدام الصمصام ويستسلم وهو يردد:
لا تلم كفي إذا السيف نبا=صح مني العزم والدهر أبى
لا يا صاحبي، مالك وما للدهر، وهل الدهر شيء آخر سوانا، مادته أعمالنا، وكيساه أخيلتنا، إن هزلنا هزل، وإن شددنا شد، وإن تراخينا بين بين جاء على شاكتلنا:
نعيب زماننا والعيب فينا=وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب=ولو نطق الزمان لنا هجانا
ما لنا أصبحنا مثل سيزيف، نتكلف حمل الصخور والجنادل الصماء، وقبل أن تستقر في ساس مبنى نفلتها من أعلى الجبل كجلمود صخر حطه السيل من عل، فتتحطم فوق رؤوسنا، أما كان في الحوار متسع للعقل وتهذيب للجموح، ووفر في زمن نبذوه فتخزنا أشواكه، ولا نستمتع بوروده، لو كنت في مكان الأستاذ حسن اللوزي وأركان حربه لما اختصرت الحوار مع الصحف المستقلة أو الخاصة التي عطلت إلى تلك المطالعة القانونية الفضفاضة التي عرف الرأي العام في الداخل والخارج معها هشاشة حرية الإعلام، وأنها مثل إناء من الزجاج براق يكسر مع أول هبة ريح، كنت اقتديت بمنهج الرئيس في المرونة الوطنية والصبر الجميل والمجادلة بالتي هي أحسن والثقة في النفس وتحشيد قوى المجتمع المدني واللقاءات وجهاً لوجه بعيداً عن سيف المعز بعد أن عز ذهبه، نحن في زمن الإعلام العابر للقارات والمواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية، تصول وتجول وتقارع بعضها دون رقيب ولا حسيب، وربما جاءت قرارات الإيقاف إنفعالية، فهي قابلة للمراجعة، فالإعلام في صلب الديمقراطية والشفافية والرأي والرأي الآخر، فيما عيون العالم ترصد وترصد ولا تزر وازرة وزر أخرى. أضم صوتي إلى صوت الزملاء في نقابة الصحفيين، وهكذا قرار يقلم تجربتنا التي نعتز بها، والتي قال الرئيس عنها ذات مرة – وهو على حق – أنها ضرورية لتنفس الناس، فالله لا يجمع بين عسرين، الربط على البطون والربط على الأفواه، وليسمح الزملاء في الثورة الغراء وكذلك القراء الأعزاء أن أستضيف فيما تبقى لي من مساحة الشاعر الكبير غازي عبدالرحمن اقصيبي في برقيته العاجلة إلى بلقيس عام 1994، وهي من بين الأوراق التي صاحت عيني وأنا أبحوش أوراق خريفي:
ألوم صنعاء يا بلقيس أم عدنا=أم أمة ضيعت في أمسها يزنا
ألوم صنعاء “لو صنعاء تسمعني”=وساكني عدن لو أرهفت أذنا
وأمة عجباً ميلادها يمنٌ=كم قطعت يمناً كم مزقت يمنا
ألوم نفسي يا بلقيس كنت فتىً=بفتنة الوحدة الحسناء مفتتنا
بنيت صرحاً من الأوهام أسكنه=فكان قبراً نتاج الوهم لا سكنا
وصغت من وهج الأحلام لي مدناً=واليوم لا وهجاً أرجو ولا مدنا
ألوم نفسي يا بلقيس أحسبني=كنت الذي باغت الحسناء كنت أنا
بلقيس يقتتل الأقيام فانتدبي=إليهم الهدهد الوفي بما ائتمنا
قولي لهم: أنت في ناظري قذى=وأنتم مرضٌ في أضلعي وضنى
قولي لهم يا رجالاص ضيعواً وطناً=أما من امرأة تستنقذ الوطنا؟
المثل الشعبي اليماني يقول: “غذا دارت بك الأض قر”، وما أحوجنا ونحن نبحث لمشاكلنا حلولاص أن لا نندفع خلف الإنفعالات، وأن نعطي للعقل حقه:
ولولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ=أدنى إلى الشرق من الإنسان
سامحونا…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s