مائة يوم نزاهة

لم تمر مناسبة اكتمال مائة يوم على تولي باراك أوباما رئاسة أمريكا مرور الكرام، أو مرور سحابة صيف لم تمطر، فلم يبق في أميركا صاحب قلم أكان يكتب بالمداد الأحمر أو الأسود أو الأخضر، إلا وأدلى بدلوه في أداء الرئيس ومدى وفائه بوعوده التي قطعها للشعب خلال حملته الانتخابية، وفي ذلك ما فيه من معاني الرقابة الشعبية وقوة السلطة الرابعة “الإعلام” وحرية الاجتهاد وارتقاء المجتمع إلى المشاركة في الحكم عبر النخبة ومنابرها مثلما شارك عامة الناس عبر صناديق الانتخاب وموازينها. وما كان للرئيس أن يهرب من قدره حيث أنه وصل إلى الكرسي بعقد اجتماعي وقعه طرفان هو والناخبون وفيه بنود ملزمة وأهداف محددة، وبياض وجه أو سواده عند الحساب “يوم تبيض وجوه وتسود وجوه” ويقول المقصر “يا ليتني كنت ترابا” وعلى منوال صحف الولايات المتحدة نهجت صحف العالم بكل اللغات تقدم حصيلة مائة يوم من أداء رئيس مدّ يديه إلى المجتمع الدولي لفتح صفحات جديدة في العلاقات الدولية وذلك بإحلال الحوار محل الفوضى وتغليب المصالح المشتركة على النزوع الأناني الذين ميز إدارة بوش، إضافة إلى الاحترام والندية والعون المتبادل فما من بلد مهما علت به المراتب يستطيع أن يقود العالم منفردا ولذلك يمكن القول أن أوباما وجد نفسه أمام خرائط طرق تقادم بها الزمن وتعفنت في ردهات البيت الأبيض وفي أروقة البنتاجون فوجب إعادة تصنيفها وإزالة الأدران التي تراكمت عليها، وقد فعل الكثير وما يزال أمامه الكثير، ولكن شعلة الأمل قد أوقدت ولذلك فإن الشعب الأمريكي صوت لـ”أوباما” ثانية عبر استقصاءات الرأي والحج إلى حيث يحج وإن كان سفرا قصيرا إلى مطعم مجاور يتناول فيه وجبة ويقف في الصف مع الواقفين لدفع الحساب من حُرِّ ماله، وليس من خزينة الدولة، ولا نثريات الوزارة، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي يدفع هو وعائلته ثمن غذائهم في البيت الأبيض إلا ما كان من وليمة رسمية يقيمها بصفته الرئيس وليس المواطن المكلف أوباما والذي يؤدي وظيفة عامة يتقاضى عنها أجرا من أموال دافعي الضرائب كما أنه يدفع من جيبه مقابل الحلاقة في صالون البيت الأبيض. هنا يشرق مفهوم الوطنية العامة من أنه تكليف وليس تشريفاً. كما يفهمها البعض في بلدان العالم التالف من الذين يعيثون في المال العام فسادا. وأتذكر في أحد المقايل الماراثونية أن شابا متعلما جرى تعيينه وزيرا وعلم الناس عبر الإذاعة بذلك ولكنه قال – والعهدة عليه – أنه لا علم له ولم يشاور ولم يبلغ حتى أنه تلقى الخبر مع المتلقين. ليس هذا بيت القصيد وإنما ما جرى بعد ذلك فقد أخذه الجالسون من منظري الفساد لا بارك الله فيهم وانتحى به جانبا يهمس ويهمس، فلما عاد الهامس وكان مجلسه إلى جانبي سألته عن السالفة، قال نصحته بأن يسرق قدر ما يستطيع وأن لا يضيع دقيقة واحدة لا تمر به دون عائد وأن يكون قلبه من حديد فلا يتدنى بمنزلته إلى “عزومة” أو هدية رمزية، وأن يقتدي بالمثل “الصادق!!” في عالم الأباليس “إن سرقت اسرق جمل أو خطبت اخطب قمر” وعلى حد علمي فإن صاحبنا لم يكذب خبرا فما هي إلا أشهر قليلة إلا والفيلا الفارهة قد انتصبت أعمدتها وموقف السيارات أمام سكنه يعج بالوارد الجديد، ومعالي الوزير يمشي بخيلاء الطاووس وما خفي أعظم. وأعرف رئيس دائرة يعتبر كل ما فيها من ميراث أبيه حلالا بلالا، فالسيارات موزعة مع سائقيها على حرمه وأولاده والعمل الرسمي يتعطل لعدم وجود مواصلات وقس على ذلك، فما من أحد يقول له ما قال عمر لأحد ولاته الذي قاسمه أمواله فكان يقول هذا أهدي لي وهذا لبيت مال المسلمين، «هلا قعدت في دارك لترى كم سيهدى إليك»، يعني أنت تتربح حراما من الوظيفة العامة. وعندما شاهدت التقرير المصور لأوباما في المطعم وقد وقف يحسب الفكة التي في جيبه لدفع الحساب “للكاشير”، تذكرت ما قاله رسول كسرى لعمر حين وجده نائما تحت فيء شجرة، فتمعن قليلا قبل أن يعلق “عدلت فأمنت فنمت”. اليوم تجد الكثيرين من أنصاف المسؤولين قد حولوا بيوتهم إلى ثكنات لحراستهم، وفي الحراسة الضباط الكبار الذين ترهلت كروشهم وعلى أيش؟ والله ما انا داري، ومن يدفع لكل هؤلاء؟ من بيت مال المسلمين.. سامحونا..

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s