ضحايا الحلم الأوروبي

يلفظ البحر الأبيض المتوسط جثث مئات المهاجرين الذين غرقوا أو أغرقوا بفعل فاعل على شواطئ شمال أفريقيا التي تشهد زحفا غير مسبوق لمهاجرين.. لاجئين من أعماق القارة الأفريقية ومن البلدان العربية يحاولون عبور البحر الأبيض الذي أصبح أحمر من فرط الدماء التي ينزفها أولئك البائسون الذين ضاقت بهم بلدانهم وحكامها وأنظمتها الاستبدادية. إنهم يتجهون إلى الحلم الأوروبي البراق الذي بشروا به أو لاحت لهم أضواء مدنه عبر شاشات التلفزة لعلهم يجدون لقمة العيش والأمان، أو لعل المحظوظين منهم أن يحصلوا على لجوء إنساني أو حتى جواز سفر. وهم لا يعلمون ما تخبّوّه لهم الأقدار من الموت الزؤام، فالدوريات الأوروبية على الشاطئ الآخر تمخر البحر بجبروتها وبمساندة أحدث الأجهزة الجوية والبحرية والأرضية لكي تصد هذا الغزو الذي يتربى جنده في مجاهل الصحارى وعشوائيات المدن والأرياف البائسة كما تتربى أسراب الجراد لتعبر كل الحدود الدولية حين يقرضها الجوع غير مبالية بالإبادة، لأن المهم وقبل كل شيء الحصول على وجبة طعام عزّت في أوطانهم التي يذهب خيرها إلى غيرها في تحالفات مشبوهة ومكشوفة بين سادة العولمة ونخاسي الشعوب.
في تقرير صحافي ورد: «تنتشر في مقابر العاصمة الليبية طرابلس مئات القبور التي تحمل شواهد كتب عليها «هوية مجهولة» أو «مواطن أفريقي» أو «سلطة الموانئ» والتي تضم جثثاً لفظها البحر الأبيض المتوسط ودُفنت من دون مواكب تشييع أو أن يتعرف إلى أصحابها أحد» ومن كوميديا الحياة السوداء أن قبور ضحايا الحلم الأوروبي كثيراً ما يحضرها مهاجرون آخرون مستعدون لتحدي الموت بزوارق صغيرة على أمل الوصول إلى الشواطئ الأوروبية.
هؤلاء هم أحفاد الجيل الذي خبر الغزو الاستعماري والذين كانوا يعملون بالسخرة لحفر الخنادق وحمل الذخائر وفتح حقول الألغام بأجسادهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومع كل هذه التضحيات فإن تفانيهم في العمل تحت أحذية الجند الأوروبي لم يشفع لهم في نيل «عين الرضا» فقد ظل وضعهم هامشياً في عشوائيات المدن الأوروبية بأحياء الفقر والجريمة وانعدام التعليم والتأهيل وقلة فرص العمل التي يذهب المتوفر منها لغيرهم ممن لم يقدموا ربع التضحيات التي قدمها أولئك القادمون من وراء البحار، حيث خدم أغلبهم على سبيل المثال في كل الحروب الفرنسية في الهند الصينية وفي افريقيا ذاتها وداخل أوروبا أحفاد هؤلاء الذين يغامرون بحياتهم للوصول إلى الشواطئ الأوروبية، ويقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين طبقاً للغة الوثائق وليس للشراكة الإنسانية، الذين ينتظرون الفرص في ليبيا لوحدها أكثر من مليون شخص وكل واحد هو بمثابة قنبلة موقوتة معبأة بالسخط والجوع وانعدام الأمل.
وقال ممثل منظمة الهجرة في ليبيا لورنس هارت «هذه مأساة وحلقة مفرغة» مضيفاً: إن الشعور بالخجل من العودة إلى الموطن بخفي حنين يدفع العديد من المهاجرين إلى البقاء بشكل غير شرعي في ليبيا لمحاولة عبور المتوسط، وتابع إن العمال غير الشرعيين يجدون أنفسهم في ظروف بالغة الهشاشة حيث لا يحق لهم الحصول على أية رعاية طبية أو قانونية، وقال دبلوماسي افريقي «إن مأساة الأسر لا حدود لها حيث أن مصير أبنائها سيبقى مجهولاً إلى الأبد.
لقد التأمت قمة مجموعة العشرين الأكثر ثراء في لندن وتحدثت عن تريليونات سيجري ضخها في شرايين الاقتصاد العالمي لإنعاشه من الغيبوبة التي تسببت بها الأزمة المالية الطاحنة، وليس لدى القمة من وقت أو رغبة أو حتى نية لمناقشة أوضاع المهاجرين الذين يعيشون على شفا الموت، لذلك ليس مستغرباً أن تنفجر الأوضاع في كثير من بلدان العمالة السائبة الضائعة على خلفية انعدام الأمل حد اليأس، لقد سبق الحلم الأوروبي الحلم الأمريكي الذي أفنى ملايين المكسيكيين وتوسط بينهما الحلم الخليجي الذي جلب المهاجرين كالفراشات من كل فج عميق، اليوم تصخرت الأعمال وجفت المنابع وتشددت التشريعات ولا أمل إلا في أن ينظر كل بلد إلى ما في يديه لينسج حياته من ترابه وعرقه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s