زوبعةُ في فنجان

رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه، والإتقان في عالم الحِرَف – أي الصناعات – لا يأتي من فراغ أو بمجرّد النوايا الحسنة، وإنما يحتاج إلى دربة وممارسة ومعرفة وتتلمذ، ولا يصل الحرفي إلى الإتقان إلا بعد عناء ونصب، إضافة إلى أنه لا بدّ أن يكون موهوباً فيما ندب نفسه له، فثمة يد صنّاع، وثمة أخرى إذا امتدت إلى أيّ شيء خرّبته وقلبت عاليه سافله، لذلك قيل “اعط الخبز لخبازه ولو أكل نصفه”، فإذا كان ذلك في عالم الحرف، فكيف بالأمر في عالم الحرف والكتابة؟
وإذا كان الحرفيون يطرقون الحديد وينجرون الأخشاب، ويبقرون بطون المكائن الهادرة ليعرفوا أعطابها، فإن الحروفيين يتعاملون مع نسيج ضوئي بالغ الهشاشة، عصي على الترويض والتطويع، ولا يمكن الإمساك به للترميز على الورق، والتحول إلى مادة ملموسة تشحّ بعواطف وأفكار وإلهامات إلا بدهاء الموهبة وبسطة اللغة وتجنيح المُخيّلة والتقلب الطويل على جمر الكلمات، واكتساب الخبرة في نسجها بعد إحكام لجمتها وسُداها، ثم يأتي أوان إكساء المنتج الخام بالوشي والزخرف والحواشي المذهبة، وترتفع قيم الإكساء لدى الشعراء المجيدين لتكون باللؤلؤ والمرجان، كما عبّر عن ذلك عمّنا (يحيى عمر اليافعي):
يحيى عمر قال قف يا زين=تسألك بمن كحّل أعيانك
وشكّلك في الحل شكلين=وشك لولك ومرجانك
حمّلت يحيى عمر حملين=وصار تعبان من شانك
يا مركب الهند أبو دقلين=يا ليتني كنت ربّانك
باعبر معك الشام والبحرين=واحمل المال في خانك
والمصلحة بيننا نصّين=لا ربّح الله من خانك
لك قسم في قسم في قسم=وقسم زايد على اخوانك

يا سلام، إن من الكلام لسحراً، فكيف إذا أنصت إليه مُلحناً ومدوزناً من فم النبع بصوت (عبود الخواجة) رائق المزاج، عذب الجرس، المسترخي كأن صاحبه ممدّد على ضفة نهر يغني لنفسه… ما علينا، يبدو أنني خرجت على النص، بمعذرة وعذري أنني منذ أسبوع واقع في فخ هذه الأغنية التي طبقت شهرتها جزيرة العرب في الماضي والحاضر، ولا فكاك فيّ إلا بترحيلها إلى القارئ، لعلّنا نتشارك “عشرة شلّوا جمل والجمل ما شلّهم”.
وعودة إلى النص، حيث تحدثت عن الإتقان لمناسبة المعركة الدونكشوتية التي نشبت بخصوص الديوان الأخير الذي صدر عن (دار نجيب الريّس للنشر) للقصائد التي تم اكتشافها عقب وفاة الشاعر الكبير (محمود درويش)، وجاء الديوان مليئاً بالأخطاء المعيبة والكسور الوزنية بما لا يليق بشرف التعامل مع إرث شاعر بهذه القامة السامقة، كان يولي أعماله عند النشر غاية الإهتمام، ويدقق في الفاصلة والبياض والشكلة، لأنه يريد أن يصل إلى قارئه في أبهى حُلّة، وأضح معنى، واحترام القارئ هو احترام للنفس، قبل أن يكون منّة.
على كل حال، يبدو أن الأمر جرى “سبهللة” على الطريقة العربية المعتادة، فوكيل الميراث المحامي (جواد بولس) لا علاقة له بالشعر، حتى وإن كان صديقاً للشاعر، ولم يكونا يفترقان، والذي أسند إليه إعداد القصائد للنشر، الروائي (إلياس خوري) هو أيضاً لا علاقة له بالشعر.
ومن قراءاتي ومتابعاتي تبيّن أن عدداً كبيراً من عمالية الحرف إذا اقتربوا من الشعر وأوزانه يغرقون في شبر ماء، وربما حذفوا وأضافوا وبدّلوا وهم يعتقدون أنهم يحسنون صُنعاً، فإذا وصل العمل إلى صاحب الذائقة الشعرية السليمة هاله ذلك العبث وتلك اللامبالاة.
و (رياض نجيب الريّس) – مع الإحترام – يبدو أنه يفتقد الذائقة، وإلا لما أقدم على النشر إذا كان قد أدرك أن ما تسلّمه من (إلياس خوري) غير دقيق – على حد قوله – وهو الآن يهدد بالويل والثبور، وأنه سيفعّل القانون ويعيد النشر، ولا ندري على أي أساس إذا كانت النصوص الأصلية لم تصله ولو مصورة بخط صاحبها، كما يبدو أن (الريّس) بالحس التجاري للناشر قد استعجل خوفاً – ربما – من أن يسبقه غيره، ولا يهمّ بعد ذلك المستوى، فأي ضجيج، كما هو حاصلٌ الآن، سيكون دعاية مضافة للديوان، وربما احتفظ البعض بديوان الأخطاء كما يحتفظ هواة الطوابع بالنادر منها، الذي جرى سحبه لأخطاء وقعت عند الطبع، والحق أن الجميع كانوا مقصّرين ومُهملين، ولو أسند الأمر إلى شاعر متمكنٍ موهوبٍ لما كان كل هذا العناء وهذه الزوبعة في فنجان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s