غازي القصيبي

غازي القصيبي
غازي القصيبي

… حياة في الإدارة
Apr 9, 2009
غازي عبدالرحمن القصيبي، من أعلام البيان في العالم العربي رواية ونقداً ومسيرة حياة، أما في الشِّعر فإنه علم في رأسه نار، على حد وصف الخنساء لأخيها صخر، وله مؤلفات رائعة في جميع هذه الفنون، وكلها من نوع “السهل الممتنع”، فقد حباه الله تعالى بسطة لغوية، وذائقة شعرية، وإذ تمتزج القدرتان وتندمجان في موهبة متحفزة فأبشر بربيع الكلمات التي تتمايس كعرائس الأحلام. وقد أعَدُّتُ مؤخراً قراءة كتاب (حياة في الإدارة)، الذي يروي فيه تجاربه الوزارية والدبلوماسية، وعلاقاته بأهل الحكم والوزراء. ورغم أن عنوان الكتاب يُحيل إلى موضوع جاف أو شبه جاف، إلا أن المضمون صاغه القصيبي روائياً زاخراً بالحياة، يجمع إلى علم الإدارة علم نفس الجمهور، وفن إدارة الصراعات التي هي جزء من الحياة الإنسانية على اختلاف دوائرها، وكذلك أهمية المبادرة والإقدام، ونصب موازين الثواب والحساب، واكتساب الخبرة في الميدان، لا عبر التقارير والبطانات والشائعات التي تُحاصر الناجحين من حزب “أعداء النجاح”. وفي هذا الخضم المتلاطم تبدو أهمية صانع القرار السياسي الأول بدعمه للعاملين الجيدين والمبدعين الجسورين، فبدون ذلك الدعم تصبح كل شائعة خنجراً مسموماً، وكل نميمة حقيقة أُلبست الصدق، وقـُرعت لها الطبول، رغم أنه في الأخير – عقب العناء والمنازلة والمنافحة – لا يصح إلا الصحيح… ولكن في بعض الأحيان قد يصل جلد المستهدَف إلى المدبغة قبل أن يتبيّن له صاحب. هوّم غازي وسار حيث شاء له هوى الحياة، فهو كأديب وكقارئ جيد يدرك ملل القراءة واحتمال انصراف القارئ، لذلك فإنه يوشّي تجربته وعلمه برسم الشخصيات، وخاصة الكبار الذين التقاهم في زياراته واستقبالاته، وبذلك لا يدعُ لك الفرصة لأن تضع الكتاب جانباً، فهو – أي الكتاب – يمسك بتلابيبك لا أنت.

في زيارة إلى ليبيا مع الملك خالد بن عبدالعزيز، يروي: “سأل الملك العقيد إذا كانت الحكومة في بنغازي أو طرابلس؟”، رد العقيد: “أيُّ حكومة؟! نحن في الجماهيرية ألغينا الحكومة”، قال الملك: “أين الوزراء؟”، رد العقيد: “نحن ألغينا مناصب الوزراء، لا يوجد وزراء”، قال الملك: “أين توجد أنت و”خويّاك” ؟” رد العقيد: “في بنغازي…”، قال الملك: “إذاً الحكومة في بنغازي”، فلم يتمالك العقيد نفسه من الإبتسام. يتذكر انفعال السيدة أنديرا غاندي وهي تتحدث عن أرملة إبنها سانجاي: “هذه المخلوقة، هذه المخلوقة البذيئة، هذه المخلوقة المزعجة”. ويعلّق: “لم تكن أنديرا ساعتها رئيسة حكومة الهند، كانت حماة عادية تتحدث بغضب عن زوجة ابنها”.
عن شاه إيران الذي كان في زيارة رسمية للمملكة يقول غازي: “علمت أن السفرجي الذي كان يشرف على مائدة الملك خالد كان هو ذاته السفرجي الذي عمل في قصر الملك فاروق خلال حفل زواج الشاه بالأميرة المصرية (فوزية) أخت فاروق، وعلمت أن هذا السفرجي هو الذي زف الأميرة بنفسه تلك الليلة، وقد تطوّعتُ لإخبار الشاه بذلك، كنت أتوقع ردَّ فعلٍ إنسانيّ أن يسأل أين هو، أو أن يطلبه ليسلّم عليه، أو أن يرسل إليه هدية صغيرة، إلا أنه نظر إليّ وقال: “حقاً…”، ويعلّق: “لم يكن هناك رد فعل إنساني، لأن الإنسان لم يكن حاضراً معنا، كنت أتحدث مع “الإمبراطور” الذي لا يعرف كيف يتحدث مع سفرجي، ومع ذلك ينصفه بالنقل عن لسان أحمد زكي يماني: “إن الشاه يعرف عن صناعة البترول ما لا يعرفه أي وزير بترول في العالم”.

أما عن بعض المهازل العربية في القمم والمؤتمرات الوزارية فلا أظن أن الحيّز يتّسع لاستعراض عنية منها، وربما أسعفني الزمن في قابل الأيام، هذا ولم أتحدث عن الإدارة التي هي موضوع “الحياة” ونسيج الكتاب، وتلك أيضاً مؤجلة، وبإمكان القارئ اللبيب المهتم أن يجد بغيته بين الدفتين.
كتب محمد جابر الأنصاري مقرضاً كتاب (حياة في الإدارة) بالأفق الذي وجد عليه الكتاب وصاحبه: “مادة سياسية نادرة، إضاءات دقيقة حية، لا أعتقد أن المؤرخين سيجدونها في أي مصدر آخر للتاريخ السياسي السعودي المُعاصر”. عبدالرحمن السدحان: “أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل وزير وَليّ مصلحة عامة، وكلُّ أستاذ، وكلُّ تلميذ، وكلُّ خبير، وكلُّ باحث مهتم بالإدارة”. عرفان نظام الدين: “بدأت بقراءته بتمعن، فوجدت نفسي ساهراً حتى ساعة متأخرة من الليل، إلى أن قرأت آخر سطر فيه بإعجاب واهتمام ودهشة”.
هذه الإلماعات تذكرني بأني ربما قد كتبت عن الكتاب عقب قراءتي الأولى، ولأنه من المؤلفات المتجددة، فإن كل عودة إليه هي بمثابة قراءة أولى، وهذا ينطبق على القليل النادر من الكتب التي تجمع إلى عمق التجربة وسعة المعرفة فن الكتابة الراقية.


استراحة المحارب الغازي
Apr 28, 2007
قليلون جداً من رثوا أنفسهم وهم على قيد الحياة، ولكن هؤلاء هم المبصرون بين عميان، يتهيأون لسفر فريد لا عودة منه، ولا يعرف سالكه مسالكه، وهؤلاء حظهم من الشجاعة عظيم، وإيمانهم بالله تعالى كبير، مثلهم مثل من يقف أمام قضاته رابط الجأش واثق من عدالتهم، وواثق أكثر بإنسانيتهم، التي تقدّر ضعف الإنسان، وما جُبل عليه من طباع متناقضة، تتقاتل في داخله بين حبٍّ وكرهٍ، وطمع وزهد، وقوة وضعف، ورجاء ويأس، وإقدام وإحجام، وإيمان وقنوط. والمرء بعد ذلك وقبله حصيلة بيئة، وربيب أسرة، ورهينة ظروف، وسجين جينات وضرورات في ذاته وفي الطبيعة وفي الصدف، فلا العالِمُ يولد عالِماً، ولا البطل ينشأ بطلاً. ولو التفت الإنسان إلى المسيرة التي قطعها لتعجّب كل العجب حين يجد نصيبه الشخصي منها قليل، ولكن الناس يدّعون ما يدّعون تزكية لأنفسهم، وتضخيماً لأدوارهم، مع أن كل القيم التي يحبّون الإنتساب إليها نسبيّة، فرب عامل تحت وهج الشمس يفوق في موازين الحق شجاعة جنرال خاض الحروب وعلّق النياشين، وربّ امرأة تكد من أجل تربية أطفالها تفوق الملكات المتوّجات في موازين الرحمن، ورب… ورب… ورب إلى ما لا نهاية، وهذا ما يخفف فوارق العيش، فرب سلطة أورثت عذاباً، ورب غنىً سكن الفقر في خزائنه، ورب شجاعة كانت هي السَّفَهُ عينه، ورب عذاب أثمر الصبر الجميل… وهكذا وهكذا.

غازي عبدالرحمن القصيبي، الشاعر والروائي والوزير والدبلوماسي والمتقحّم حيثما وجد إلى التقحم سبيلاً، حتى أصبح علماً على جبل متنور غير هيّاب في جزيرة العرب، وقد كان بعض من سبقوه يضعون أنفسهم في نهاية الصف العربي خجلاً طبيعياً وتواضعاً غير طبيعي، ونوعاً من الشعور بعقدة نقص تعبّر عن نفسها إما بالمغالاة في اتجاه مضاد، وإما بالإستلحاق دون الجرأة على خوض السباق، مع أن كل العرب في الهمّ شرق، ولكن الظروف حكمت، وكما يقال “فإن المرء حيث يضع نفسه”، وغازي عبدالرحمن كسر هذه الدائرة المغلقة، فجهر بصوته وأبدع أيّما إبداع، فخاض غمار الحياة، دون أن يسأل ما رأيُ فلان، وما تقويم علاّن، ومن خلفه سار شباب كثيرون في جزيرة العرب، يضيفون إلى العربية التي نبتت في أرضهم، كما نبتت في الراحتين الأصابع، وهو في نظر كثيرين إستمرار خلاّق لطرفة ابن العبد القائل:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني=عنيت فلم أحجم ولم أتبلد

ولكن هذا شيء وأن يرثي ابن عبدالرحمن نفسه – وهو على قيد الحياة وعلى رأس عمله وزيراً للعمل في المملكة العربية السعودية وأقلامه لم تتوقف عن الصرير – شيءٌ آخر. لا اعتراض على ذلك ولا عتاب، ولكنه منحنا مناسبة قلَّ أن تتكرر لنشاركه مأساته الجميلة التي نطقت شعراً لأنه أليق بهذا المحمل على البرزخ، كما شاركت أجيالٌ من ناطقي الضاد مالك بن الريب حين نعى نفسه بعد أن لدغه الثعبان:

ذكرت من يبكي عليّ فلم أجد
سوى السيف والرمح الرديني iiباكيا
وأشـقرَ خنديداً يجـرُّ iiعِنانه
إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا
برابية إني مقيم لياليا
وخطّا بأطراف الأسنة مضجعي
وردّا على عيني فضل iiردائيا

الله… إن من الكلام لسحرا، أما غازينا فيبدو أن عشرات الثعابين قد لدغته ولكنه لم يقل آه. إلابعد أن فاض الكيل ولمعت أسنة في الفضاء البعيد:

خمس وستون في أجفان إعصار
أما سئمت ارتحالاً أيها iiالساري
أما مللت من الأسفار ما iiهدأت
إلا وألقتك في وعثاء iiأسفار
أما تعبت من الأعداء ما برحوا
يحاورونك بالكبريت والنار

ما دمت تقول هذا الشعر الجميل، فإن التعب سيرحل عن حديقة غروبك… إنها استراحة المحارب ليس إلا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s