المعذبون في الأرض

ليس قدراً مقدورا أن يظلم الناس بعضهم بعضا ويستبيحوا أعراضهم ويخرجوهم من ديارهم ويصادروا ممتلكاتهم تحت أي حجة وأي مسمى وأي هدف ليست الغاية تبرر الوسيلة في الجرائم ضد الإنسانية. وقد عانت أوروبا على امتداد قرون من هذا الوباء الفاتك حتى وجدت الحل في الديمقراطية الحقيقية وليس الديمقراطيات الشكلية الجوفاء التي يستوردها العالم “التالف” بحيث يتناقش الخصيمان وكل واحد يضع بيده خنجرا يخفيه بيد خلف ظهره لزوم التحضر والقبول بالآخر وحين يستدير الأسوأ حظا تأتيه الطعنة القاضية بين جنبيه، لذلك لا أمان ولا ضمان ولا مصداقية فالجميع عيال قرية، وكل واحد يعرف خيه، والهدف هو الكراسي ومتاع الدنيا.
المهجرون الصومال من مقاديشو وحدها بلغوا مليونا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويفضلون الموت غرقا في البحار على ظلم ذوي القربى فيما صانعو المأساة ومديموها يديرون ظهورهم لكل حل سلمي، الذين أخرجوا من ديارهم في دارفور عدة مئات من الألوف يتسولون وهم من أكثر بلدان العالم موارد. العراقيون تشردوا بالملايين داخليا وخارجيا لا تبكي عليهم الأرض ولا السماء، فيما بترول بلادهم يتحول إلى ذهب ومشتريات لا تدري لمن تذهب وهم يبحثون عن زريبة يسكنونها ونساء العراق يبعن السجائر والعلك في شوارع عمان. مازال في الخاطر الطوابير الهائلة للكويتيين بعد أن أخرجوا من ديارهم ولولا منة الله والتضامن الخليجي ووقفة العالم الحر إلى جانبهم لكان مصيرهم مجهولا.. نحن في جنوب اليمن مررنا بتجربة صاعقة في السبعينات أخرج الناس فيها من بيوتهم وصودرت جميع ممتلكاتهم وسحل عدد كبير من وجهائهم من كل من يقول ربي الله، ثم ولى من استطاع الفرار هاربا مخلفا أهله وراءه وفيهم السيدة العجوز والطفل الرضيع والمرأة المستضعفة فكانوا يأخذونهم في بعض المناطق إلى الحدود ويرمونهم هناك ثم يقولون لهم ابحثوا عن معيلكم وكانت تلك في نظرهم منة لأنهم أسلموهم من القتل وبدت تلك أعمالاً بطولية يجري التنافس عليها والتباهي بها ضد عزل مواطنين وإخوة وعلى لا شيء في حقيقة الأمر إلا أن يستولي من لديه القدرة على ما لدى من هو ضعيف “ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون” صدق الله العظيم، وقد ذهبت ذات يوم مع مسؤول كبير سابق أخرج هو الآخر في وقت لاحق ذهبنا إلى إحدى الإمارات لشرب الشاي لدى مشرد يمني سابق دعا ذلك المسؤول فوجدناه يسكن في فيلا تشبه القصر مؤثثة بكل غالٍ ونفيس من الرياش، وبعد أن قدم لنا الشاي سأل المواطن الذي عانى ما عانى سأل المسؤول الكبير ألا تشعرون بالندم لأنكم أخرجتمونا من ديار أهلنا وأجدادنا وشردتمونا في الآفاق دون أن نحمل حتى ما يقيم الأود أو حتى بطاقة هوية.. ضحك المسؤول السابق وهو يتلفت يمنة ويسرة ويتطلع إلى زخرف السقف، ورد عليه بالقول: إحمدوا الله لولا أننا أخرجناكم لما كنتم في هذا النعيم.
قال المواطن، أما هذا فمن فضل الله وحاصل عملنا وليس من فضلكم وقبيح عملكم، فرد المسؤول منهيا الحديث في هذا الموضوع المؤلم الشائك: ليتكم أنتم الذين أخرجتمونا لكنا إذاً نتقلب في النعيم. طبعا الرجل نظر إلى الأمر برمته من الناحية المادية ونسي أن الوطن هو الروح وهو الحياة:
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
ونحن عائدون قلت للمسؤول الكبير هل تدري ما قال ماكيا فلي إمام الثوريين عن مصادرة أملاك وأرزاق الناس، قال هات، قلت يقول: إن الناس قد يغفرون لمن قتلوا آباءهم ولكنهم لن يتسامحوا مع من أخذ أملاكهم وأموالهم وصادر أرزاقهم.
ما قصدت حديث اليوم ولكنه الكلام يأخذ برقاب بعضه البعض فلا يدري المرء في آخر السمرة ماذا قيل في أولها، وكنت قد قرأت عن أن دول البلطيق الثلاث استونيا ولاتفيا وليتوانيا ستحيي هذا الأسبوع ذكرى ترحيل مئات الآلاف من مواطنيها القسرية والقاسية إلى سيبيريا في عهد النظام السوفييتي أيام الديكتاتور ستالين، وقد بقيت مأساة الخامس والعشرين من مارس 1949م محفورة في الذاكرة الجماعية لسكان البلطيق وهي بداية للحملات الكبرى للتهجير. وكانت السلطات السوفيتية قد صادرت مزارع ومنازل الذين تم تهجيرهم ممن صنفوا أعداء الشعب رغم أنهم ويا للمهزلة شعوب أخرى غير الروس وانتقلت المنازل الخالية إلى عائلات العسكريين والمستوطنين السوفييت من أجل تغيير التركيبة السكانية فيما مات عدد كبير من المرحلين في الطرق الشائكة إلى سيبيريا تحت تهديد السلاح.
الشعوب قد تغفر ولكنها لا تنسى، وحتى اليوم لا يعترف الروس بمأساة هذه الشعوب الصغيرة الجارة كما لم يعترف أحد بمآسي الأرض ولو من باب “جبر الخواطر” أما مأساة فلسطين أم المآسي فهذه هي جلجلة المسيح وصليبه المدمَّي وصخرة سيزيف اليوناني التي تعذبه إلى الأبد. سؤال إلى مراكز البحث التي تصرف أوقاتها في “تلكيد” الماء الذي نعرفه لماذا لا تسجل شهادات المعذبين في الأرض وتاريخ الدماء والآلام والتشرد أليس ذلك أجدى للتحصين ضد معاودة مرض الطاعون البشري الذي يتحين الفرص ليطل برأسه الأفعوانية من جديد.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s