النفخ في القرب المقطوعة

العالم العربي الدائخ بين حكامه وأحكامه، وبين أحراره الأقنان وأقنانه الذين يتطلعون إلى الإنعتاق يتطلع إلى تجميع خيوط شمس غربت دون وعد بالشروق، ثم عادت على استحياء لتطل من وراء سجف كثيفة لعلها تجد في هذه الأمة زعامات رشيدة تستلهم ما يدور حول العالم من زعامات أمم أخرى استيقظت من ربقة العدم، ذلك أن استمرار الحال أصبح من المحال، وخيار الحاضر والمستقبل أصبح أن تكون أو لا تكون.
الدكتور حسن الترابي خرج من سجنه، ولم يكن إلا سجين رأي، صدح بما اعتقد، فقيل له: “لقد جئت شيئاً إداً”، ومتى كان السجن مصفاة للآراء، ومثوى لمن يفكرون بصوت عال، ألم تكن المصلحة الوطنية تقتضي الإنصات والحوار والجرح والتعديل وتعظيم المشترك وتقليص المختلف عليه، جميل أن يخرج ذلك الشيخ من سجن الشمولية السياسية ليقول ما قاله العقاد عقب خروجه من سجن الملك فؤاد في مصر:
وكنت نزل السجن تسعة أشهر==وهاأنذا في ساحة الخلد أولد
عداتي وصحبي لا اختلاف عليهمو=سيعهدني كل كما كان يعهد
شخصياً لم أرتح للدكتور حسن – في مواقفه السياسية وتكتيكاته العقائدية وتحالفاته مع العسكر – في أي يوم من الأيام، ولكنني أرى في سجنه ظلماً وتعسفاً ومناقضة لديمقراطية مدعاة، وافتئاتاً على عادلة مبتغاة، متذكراً قول (فولتير) “إنني أخالفك الرأي، ولكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لكي تقول رأيك بحرية”، وقول الإمام الشافعي بما معناه: “أنا على حق في اجتهادي حتى يثبت العكس، وغير على باطل في اجتهاد حتى يثبت العكس”، ولذلك قيل أن الرجوع إلى الحق فضيلة، ولكن أسألك بالله أيها القارئ الكريم الذي تفهم أكثر مما يفهم جميع الكاتبين، أين يباع هذا المرهم السحري الذي يجعل مسؤولاً عربياً يقول ما قاله أمير المؤمنين ابن الخطار: “أخطأ عمر وأصابت امرأة”، لعلنا ننفخ في قرب مقطوعة ونفصل من السماء قمصاناً.
سيدي ولد الشيخ عبدالله الذي جاء بالانتخاب النزيه بشهادة العالم، وكسبت موريتانيا سمعة جيدة بين دول الشمال الأفريقي والعرب عموماً بتلك الشفافية التي جرت بها الإنتخابات، ولكن قبل أن يبدأ عمله جدياً قلب له العسكر ظهر المجن، وقالوا: “إلى السجن سر”، خرج من معتقله الآن ويتحرّك بحرّية ويتكلم من منزله كما تكلم الترابي، ولولا الضغوط الأفريقية والدولية لكان خلف الشمس لا يعرف له أحدٌ مقراً، هل معنى ذلك أننا ما زلنا نساق بالعصا، والعصا لمن عصا كما نقول، أما من نبع نورٍ في دواخلنا يقول لنا اقتدوا واهتدوا وتداولوا السلطة، ولا يبغي بعضكم على بعض إذا أردتم صعود جبال الحضارة أيها البداة؟
ومن لا يحب صعود الجبال=يعش أبد الدهر بين الحفر
المالكي في العراق يدعو إلى التصافح والتصالح والتمالح مع البعثيين الذين اجتثت شأفتهم وأخمدت نيرانهم ودمرت دولتهم بالغزو الأمريكي، وقد علم مؤخراً أن أغلبهم كانوا مغلوبين على أمرهم، سيقوا إلى الحزب كما تساق الأغنام إلى المرعى قبل سوقها إلى المقصب، وأنه لم يكن هناك من حزب ولا حتى قيادة ولا حرية لتنفس الأوكسجين، فما ثمة غير الزعيم وعصابته وسواطيره ومن كذب جرب كما كان يقول الإمام أحمد، وهذا الفرس وهذا الميدان، ذلك الاجتثاث شرّعه الحاكم الأمريكي بريمر هو الذي ألف بين قلوب المنكوبين في العهدين، فأصبحوا حزباً من طراز جديد، كما كان يردد عبدالفتاح إسماعيل في جنوب اليمن. البعثيون الآن يتشككون عسكريين ومدنيين ومحسوبين عليهم ولهم الحق بعد تجربة الإجتثاث الحياتي سيئة الذكر، ولكن عليهم أن يدركوا أن العراق تغر إلى الأبد، وأن السلام الإجتماعي يصنع بالحوار والنوايا الحسنة وإدارك المصالح الوطنية العليا للمرحلة على قاعدة {أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}، الإحجام ليس سياسة، والإقدام المحسوب هو السياسة والشجاعة والمقدامية والوطنية.
من الترابي، إلى ولد الشيخ عبدالله، إلى المالكي، إلى اتفاق أحزاب اليمن، إلى إطلاق سراح المعارض المصري أيمن نور، إلى الحلقة الديمقراطية المفرغة في الكويت، إلى العلاقات العربية الإيرانية التي تتأجج على صفيح ساخن، إلى التقارب السعودي السوري الحذر، إلى التمازج الفلسطيني”من المزاج وليس المزج” الذي يسير على قشر بيض، إلى محكمة الحريري، إلى قطاع المغرب المتأنى دائماً لعلاقاته مع إيران، يبدو عالمنا العربي على أبواب مخاض قد ينجب أقماراً حرة، وقد يتمخض عن ثمار مرة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s