الغسالة المحررة

مثـّل التقدم العلمي التكنولوجي – انطلاقاً من مطلع عصر الصناعة وثورة البخار – انعطافة عظمى في تاريخ البشرية ومسيرتها الصاعدة المجلجلة عبر مدارج التاريخ، وكان للتقدم نتائج متفاوتة الإيجاب والسلب، فقد دشن الغزوات الاستعمارية الكبرى، وتكوين الإمبراطوريات المكللة، وأسس الحروب العالمية غير المسبوقة في التاريخ الإنساني سعياً وراء الموارد ومصادر الطاقة، والتهام أي نوع من الخيرات، ولو أدى ذلك إلى إفناء شعوب بكاملها، كما حصل في أمريكا الشمالية مع الهنود الحمر ومع مناطق شاسعة من أفريقيا أقفرت من السكان الذين تم اقتيادهم عبيداً وهم مقيدو الأيدي والأرجل عبر المحيطات، وبذلك تعطل النمو الطبيعي للشعوب الحرة بعد أن دخلت في أسر السخرة تحت رحمة جلاديها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حررت تلك الإنقلابات التاريخية العقل البشري من الوصاية التي كانت تفرضها الكنيسة على وجه الخصوص، فأخذ التفكير يعمل بمعزل عن النقل ورقابة الكهانة ومحاكم تفتيش النوايا، وقد أخذ مداه شيئاً فشيئاً معتمداً التجربة والخطأ، ونظرية الشك في المسلمات، ومدأ “دعه يعمل، دعه يمر” في الإقتصاد، والذي حطّم الإنغلاق الإقطاعي والجزر القومية المتقوقعة على نفسها في أوروبا الصاعدة آنذاك، وذلك وجدت بنية تحتية للبحث العلمي، وبنية اقتصادية للتطبيق، وسوق جديدة لمنتجات العلم، وقد عملت القطارات البخارية الأولى على طي المسافات وتقريبها قبل أن تستنفد أغراضه بمجيء ثورة الكهرباء التي جلبت معها طاقة نظيفة سهلة الإستعمال شديدة البأس، دخلت في كل مفاصل الصناعة، ابتداءً من المصانع وحتى الطائرات والسيارات التي غيرت حياة الناس وأساليب العيش، وجلبت معها وفي خدمتها جيشاً من الوظائف الحديثة التي استوعبت الماليين من البشر المتحولين من الطبقات المعدمة إلى الطبقة الوسى المتطلعة، كما حررت المرأة من الأبعاء المنزلية باختراعات تبدو الآن مألوفة، ولكنها كانت في وقتها ضرباً من الخيال، وعيبجة من العجائب، كالغسالة والثلاجة والطباخة وبعد ذلك المايكروويف إلى جانب حبوب منع الحمل التي مكنت النساء من السيطرة على الولادات الأرنبية، وأبقت لهن على نصيبهن من سوق العمل الذي لا يتقبل الحوامل المثقلات، وقد قالت صحيفة (لو سير فاتوري رومانو) الإيطالية بمناسبة يوم المرأة العالمي – وهي صحيفة تصدرعن الفاتيكان – إن الغسالة شكلت أداة حقيقية في تحرر المرأة في القرن العشرين، مستخدمة شعاراً ورد في أحد كتيبات طريقة استعمال واحدة من أولى الغسالات المصنعة يقول: “ضعي الغسل واغلقي الباب ولا تكترثي”.
نحن الآن تآلفنا مع هذه المخترعات بعد أن أصبحت جزءاً من حياتنا تقوم بالنيابة عنا بأكثر الأعمال مشقة، ولا تخطر ببالنا أهميتها إلا حين يتعطل أحد أجهزة المطبخ، فنجد صعوبة في العودة إلى الطرق القديمة، كالبحث عن الحطب وإشعار النار للطبخ، وكحفظ الأشياء القابلة للفاسد وهي مهمة الثلاجة، وقس على ذلك العصارات والعجانات والفرامات، ووسائل الترفيه من راديو ومسجل وتلفزيون وكمبيوتر ودي في دي، أما أعجبة العجائب في قرننا فهو التلفون المحمول الذي لازمنا كذراعنا، ومن ذا يستطيع تخيل الحياة اليوم بدون هذا الجهاز الذي يقدم خدمات لا تحصى ولا تخفى على أحد، والذي جعلته التكنولوجيا المعتمدة على الرقائق التي يصغر حجمها ويتعاظم فعلها يرخص يوماً بعد يوم، حتى اصبح في متناول الفلاحين في شعابهم، والملاحين في بحارهم، والصيادين في براريهم, العمال في مواقع أعمالهم أينما كانت، وبذلك انقلب وجه الحياة مرة أخرى، وتيسّرت أمور الحصول على معلومات، ومتابعة حالة الأسوق، والسيطرة على الأعمال عن بعد، وإدارتها من أي مكان يكون فيه صابح العمل، كما وانتقلت الثورة إلى البنوك ومؤسسات المال عبر ثورة الكمبيوتر، فانقرضت الشيكات أو كادت، وتيسّر الحصول على النقد ومتاعبة حركته، فما أن تسحب مبلغاً من حسابك عبر الصراف الآلي حتى تأتيك رسالة قبل أن تحفظ البطاقة في محفظتك تخبرك بما سحبته، وغذا أردت كشفاً فبلمسة زر، وإذا أردت أن يقوم البنك يدفع فواتيرك للماء والكهرباء والتلفونات بمكالمة عبر النظام الآلي، طبعاً هناك أشياء كثيرة يختلف الخبراء في أيها كان أثر مفصلية وحيوية وتأثيراً في حياة الناس، ومن ذلك نظام المصرف الصحي الذي مكّن من بناء المدن الكبيرة وسحب العوادم وإعادة تدويرها للري، لقد كانت المدن القديمة تعج بالروائح الكريهة، وقل مثل ذلك عن المنازل نفسها قبل أن يأتي هذا النظام الكهربائي المبدع، فيغني الناس عن قضاء حاجاتهم في الخلاء، وتحدث البعض عن الفاكس وما اجترحه من انقلاب في المراسلات وبعث الوثائق، وإن كنا الآن قد غادرنا إلى الإيميل، ومع ذلك يقول لنا بيل جيتس صاحب مؤسسة مايكروسوفت وأغنى رجل في العالم إن ما في أيديكم الآن هو أصغر من أذن الجمل، وتوقعوا خلال سنوات قصيرة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، بورك العلم والعلماء، وبورك المصلحون الذين يوازنون الجانب الأخلاقي للمخترعات بقدر ما يستطيعون {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s