النميري: وقفة تأمل

عن 79 عاماً من حياة حافلة بالزهو والإنكسار والإيراد والإصدار والتعدد ثم التفرد ثم التوحد، والبدل العسكرية المثقلة بالنياشين والأوسمة، وعوداً إلى الجلباب السوداني البسيط في أخريات أيامه، لعلّه يجد فيه بعضاً من الدفء بعد أن جرّب اغتراب المنفى وزمهريره، وإن كان على بعد حجر، توفي الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري الذي خاض معارك لا حصر لها منذ توليه حكم بلاده، ولكنه مات حسب التعبير الشهير لخالد بن الوليد “على فراشه كما يموت البعير”، فلم يُقدَّر له أن ينهي ذلك المشوار الملتبس تحت الأضواء كما بدأه في 25 مايو 1969م، حين قاد انقلابه وأخذ في التجريب لحكم القارة السوادنية بالشعارات والمناورات وعقد التحالفات ثم فصمها. وقد بدأ بحلفائه الشيوعيين الذي تغدى بهم قبل أن يتعشوا به، وفقاً لنظرية “المؤامرة” اليعربية العتيدة، وبذلك أسهم بنصيبه المرموق في توطيد الميكافيلية السياسية، التي تسد كل الطرق باتجاه كرسي الحكم ومفاتيح التحكّم، وشخصنة وعبادة الفرد “الضرورة”، الذي لا نظير له ولا شبيه ولا بديل، حتى إذا أزالته دورة الأيام والليالي وخريجي مدرسته الذين رباهم على عينيه، وجد نفسه ملوماً مذموماً محسوراً، وقد ألصق به ما كان يُلصق بخصومه، فيبلس مع المبلسين الذين سبقوه ممن رأوا السراب بلمعانه، ولم يروا شراك الحتوف التي تستدرجهم إلى هيلمانه في وقد صحراء الحكم، حيث الداخل إلى “المدينة الفاضلة” التي يبينها الحكام العرب على تلال الرمال في ملتقى سوافي الأنام مفقود، والخارج – إن خرج – مولود، و”سلامة الرأس” فائدة كما نقول في أمثالنا، ذلك أن حمد النعمة، وحفظ الهيبة والمكانة بالسيرة العادلة، وضبط النفس والتعفف عن المال العام، ورعاية مصالح الأمة والسهر على شؤونها، أمور لم تتأصل في ثقافتنا المعاصرة، ولا في موروثنا الثقافي، سوى ما يعود منها إلى عهد الصحابة الكرام في المدينة المنورة، وحكم عمر بن العزيز لاحقاً، وهي ومضات سرعان ما انطفأت قياساً بالدهور التي تلتها، حيث النطع والسيف بالمرصاد، ولسان حال الأمة لسان ذلك الشاعر الذي وقع في المصيدة، فأنشأ يخاطب الحاكم:
أرى الموت بين السيف والنطع كامناً=يلاحظني من حيثما أتلفت
وأغلب ظني أنك اليوم قاتلي=ومن ذا الذي مما قضى الله يفلت
أن يتمكن إنسان كائناً من كان من الإمساك بمقاليد الحكم في بلد، ومعها رقاب الناس وعيشهم ومعاشهم، وأمنهم وأمانهم، فذلك اختبار لو امتحنت به الجبال الرواسي لانهدت هداً، أي أن تكليف وليس تشريف كما يظن البعض وهماً ومغالطة، والعاقبة للمتقين {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً، فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقا، أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلبا، وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا، ولم تكن فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا، هناك الولاية لله الحق هو خيرٌ ثواباً وخيرٌ عقبا، واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيءٍ مقتدرا} صدق الله العظيم.
لو تأمل حكامنا ما في الكتاب الكريم الذي يُتلى ليل نهار؛ لربما نالهم نصيب من الخير والطمأنينة وحب الناس، ولكانوا أوفوا لمن أوفوا معهم، أو دلّوهم على سُبل الفلاح، وطرق النجاة، ولتمثلوا وتمثلنا معهم قول الإمام الشافعي:
ومن هاب الرجال تهيّبوه=ومن حقر الرجال فلن يُهابا
ومن قضت الرجال له حقوقاً=ولم يقض الرجال فما أصابا
هذا على مستوى الخلق، فكيف على مستوى الخالق؟!.
رحم الله تعالى جعفر النميري، وغفر له، فلم يكن سوى واحد من قوم (غزية) العربية، إن رشدت رشد، وإن ضلت ضل… وليرحمنا الله عز وجل، ويغفر لنا جميعاً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s