أوراق منسية (2)

.. ننتظر الذي يأتي ولا يأتي ، نعلل النفس بالآمال نرقبها ، حتى نصل إلى حقيقة رحلة الحياة، قبض الريح وباطل الأباطيل ، أو كما شخصها شكسبير رواية صاخبة يؤديها على المسرح ممثل مخبول ثم تطفأ الأضواء وتسدل الستائر كأن شيئا لم يكن.. المحظوظ من احتفظ ببعض الأصداء تؤرق منامه وتنعش ذاكرته بالكآبة وهذيان النسيان . أوراقنا المنسية ربما كانت أكبادنا تمشي على الأرض ، ومع ذلك فإن النار المقدسة لا تحرق سوى رجل واطيها ، فلكل حياة إنسانية نجومها الوقّادة وأنسامها الخلابة ، وفخاخها الصخابة ، وثقوبها السوداء التي تبتلع قبل الوداع كل نقطة ضوء وتأسر كل حركة ، ثم لا تشف عن شيء فالصفحة البيضاء التي افتتحت بها الحياة وامتلأت بالشخابيط وهلوسات الكوابيس تعود بيضاء مجددا (كأنك يا بو زيد ما غزيت).
في شرفة الريح الأنيقة على كتف البحر الأزرق والشمس الغاربة تصبغ بالذهب عيوننا وقلبينا ، فيما الرياح تلعب بين الأشجار وبراءة الأطفال في عينيها، كتبت لها في صمت حنون حكاية ما قبل النوم وقد ضاع نصفها فأخذت أتشمم وأستنطق النصف الذي بقي ، كما تشمم سيدنا يعقوب قميص يوسف فاستعاد نظره:
«نامي ، مراجيح الهوى..
لعبت بقلبي
طفلا يودع آخر الغيمات من خمر وورد
والريح تدعو للرحيل جنونها سهدي ووجدي
نامي على زهر الدموع ، على وشايات التحدي
نامي على كتفي على شوقي، على نبض التجاذب
كم عزفت وكم عُزفت .. والليالي لا تجيب ولا تلبي
نامي دعي النسيان ينسانا لعل البرق يشعلنا
وبحر العاشقين يضمنا قلبا لقلب»
لكم ينتشي الشعر بالإنسان ولكم يسكر الإنسان بالشعر إنما يتبادلان الموقع في سورة الهوى وحمى العشق فيتأنسن الشعر ، حتى يكاد يسفر عن وجه آدمي صبوح ، ويشف المحبون كقصائد تتحدى الزمن، حروفها إشعاعات ومضامينها إرهاصات ومراياها اسقاطات حتى يصبحا كالكأس والشراب في قول الشاعر المدله بالمنادمة وأظنه النواسي:
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر
ورقة من أوراق النسيان بتوقيعي وبخطي ولا أدري لمن كُتبت ، وثمة ما يشير في تضاعيف ما بين السطور وفي ارتباكات الحروف أنها كتبت على عجل كأنما على خط السراط (ما بين الجنة والنار).
(للريح أغنية ، وللتاريخ ذاكرة
وللفجر المضمخ بالندى،
فردوسه الملكي حين يعود شيخ للطفولة
أو يحاور حلمه المقتول
أو يحتال كي يجد الصدى
أنا أتقيك وأرتجيك وأصطفيك
على متاهات النداء،
بعضا من الروح الجريحة أو نسيما
من صبابات الصبا
ورفيف أجنحة الطيور
وشوق أمواج البحور إلى الشواطئ والصخور
ونوارس الأحلام في ملكوت أشجان المدى
اشتاق للوجه الجميل وللعيون المترعات بزهوها
وإلى الميادين التي خبرت جموح الخيل وازدهرت
بأجراس الصهيل..
ماهم إن عصفت زوابعنا وناء بنا الطريق
وتساقطت أحلامنا جذلى يلذ بها الحريق
فغدا ستحملها الرياح رماد أغنية إلى الغصن الوريق)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s