أوراق منسية – الحقيبة

أكتبُ مُتأخِّراً جدَّاً عن مواعيدي الثابتة التي تعوَّد عليها الزُّملاء في «الثورة» الغرَّاء، عادةً أكتبُ زاويتي «آفاق» في الصباح، حيثُ تُسْلِسُ قيادها إذا تبلورت الفكرة وأسعفت الصحَّة وتجاوبت «الحليلة» أو «القرينة» – كما يقول أصحابنا – وأحياناً تَشْمُسُ الفكرة شُموسَ المهر غير المُروَّض، فمن أين جئتها حَرَفَتْ وَرَمَحَتْ وقالت : «هيت لك»، وما عليكَ في مثل هذه الأحوال سوى التشاغل عنها ومُبادلتها خصاماً بخصامٍ وجفاءً بجفاء، وهُنا قد يرقّ طبع الفكرة كالحسناوات إذا هُجرن فتتبسَّم لكَ من طرفٍ خفي، وقد تُسعفكَ بفاتحة القول، وما عليكَ بعد ذلك سوى الدأب والكدّ، فما بعد الفاتحة سوى اللاَّفحة، وَمَنْ لم يحرث أرضه جيِّداً في الشتاء لا يتوقَّع حصاداً وافراً في الصيف.
الكتابة مُعاناة، وأيَّة مُعاناة، فمهما اعتقدتَ أنَّكَ حُرٌّ فيما تكتب، فأنتَ مُقيَّدٌ بالسلاسل، بعضُها من الحرير الناعم، وبعضُها من الذهب البرَّاق، والبعض الآخر من الحديد الصدئ، ودائماً – كما يقول «سارتر» – فإنَّ «الجحيم هُم الآخرون»، فقد يكون هُناك مَنْ لا يقرأ لكَ أبداً، أو هكذا يُشعرك، لكنَّه إذا اشتمَّ ما يظنُّه مُستمسكاً أو كشفاً مُبيناً ملأ الدُّنيا زعيقاً لكأنَّه القارئ الوحيد.
أين كُنتَ يا ابن «الْهِرْمِهْ» أيَّام اللُّولو والزمن الجميل للكتابة، حيثُ لا همَّ يعلو على همِّ الحرف النبيل، وأضواء قوس قزح تشعُّ ما بين العنوان والختام؟ وأيُّ زمانٍ قبيحٍ أقعدكَ مقعد الناقد الراقد، تدور بطبلة المسحَّراتي من مقيلٍ إلى مقيل، ومن مكتبٍ إلى مكتب، كأنَّكَ اخترعت «الجاجيك»، و«الجاجيك» أو اختراعه المُثير هُو حكايةٌ عراقيةٌ يُعبَّر بها عمَّن يشبهون الأعمى الذي أمسك بجرادة، فكاد يطير من الفرح، بينما الآخرون يجمعون الجراد بأيديهم وأرجلهم يملأون «الشِّوال» و«الجُونية» تلو الأُخرى ولا يرون فيما يأتون عملاً عبقرياً، لأنَّ الجراد مع هُبوط الظلام يتكدَّس في كُلِّ مكانٍ ولا يريم حراكاً، أمَّا في النهار، فإنَّ قُطعانه المليارية تملأ الفضاء حتَّى تحجب عين الشمس، وليس هُناك ما هُو أسهل من التقاطها فُرادى.
«الجاجيك» يا سيِّدي هُو عبارةٌ عن خيارٍ مُقطَّعٍ في لبن زبادي، يعني حتَّى المرأة العطيلة تستطيع عمله وهي مُغمضة العينين، والتعبير العراقي «فلان اخترع الجاجيك» – وأظنُّ الاسم تُركيَّاً أو فارسيَّاً – هُو مُنتهى الاستهزاء والسُّخرية من أُولئك الذين يرون القشَّة التي لا تكاد تُرى في أعين الآخرين ولا يرون الخشبة في عُيونهم، كما يقول السيِّد «المسيح» – عليه السلام – مُعرِّضاً بصيارفة وحاخامات بني إسرائيل الذين طردهم من المعبد.
على كُلِّ حالٍ، كان لديَّ صباح اليوم – «أمس» – موعدٌ في العيادة، والأمر لم يَعُدْ كما كان في زمانٍ مضى، حين كان الدُّخول إلى الطبيب هيِّناً ليِّناً، وما عليكَ سوى الذهاب قبل الموعد بدقائق لتجد نفسكَ في حضرة النطاسي، اليوم دخلنا في عالم التأمينات الصحِّيَّة، وهي على درجات، فمنها ما هُو لعيال الجارية – وأنا منهم – ومنها ما هُو لعيال «السِّت»، وعلى كُلِّ حالٍ «ما شي حنة لأحد بكى من كُلّ عين»، فعلى قدر أهل العزم تُؤتى العزائم، والمرء حيثُ يضع نفسه، وما دُمنا قد تمنَّينا على اللَّه أن نُحشر في زُمرة المساكين، فعلينا أن نكون مُستعدِّين لدفع الثمن، حتَّى لا يُقال إنَّ الدُّنيا قد خلت من المُوفين بعهودهم، وقد استعددتُ مُنذُ الصباح الباكر، مع أنَّ الموعد في الحادية عشرة، لكنَّ الحُصول على «تاكسي» دُونه خرط القتاد، والشمس لا ترحم في هذا الفصل من صيف «أبو ظبي» المُبكِّر، والازدحام في الشوارع يخنق الأنفاس، مُنافساً في ذلك الرُّطوبة، والشوارع نفسها تشكو من ورش العمل القائمة على أُمّ رأسها ليل نهار، تعديلاً وتوسيعاً وبناء جُسورٍ وشقّ أنفاق، ولو كانت تشكو كَالْبَشَر لخَرَجَتْ من جلدها طالبةً الأمان والسكينة.
ما علينا، وأنا أدلفُ من باب الشُّقَّة لاحظتُ أنَّ حقيبتي غير موجودةٍ في موقعها المألوف، وفيها حصاد العُمر من الأوراق المنسيَّة، التي تُساعدني في ملء هذه الزاوية حين يجفُّ النبع، شأني شأن صاحبنا الذي كُنَّا نتندَّرُ عليه في الزمان القديم، حيثُ يُخرج أيَّة قصيدةٍ من «الخُرج» الذي أكل الدهر عليه وشرب، ليُحوِّرها ويلبسها ثوباً جديداً يراه قشيباً ونراه نحنُ تلاميذه مثل ثوب «العارة» لا يستر عورة، وكان ينظر إلينا بحنقٍ ويقول لنا : «يا أولاد الأبالسة، ما يفوتكم شيء، لكن (أنا الحمار) الذي أطلعتكم على أسراري»، فنُجيب جميعاً بصوتٍ واحد : صَدَقْتَ يا أُستاذ، صَدَقْتَ واللَّه»، فيأخذ ملء كفّه تُراباً وحصى يحصبنا بها وهُو يقول : «أنا حمار، لعنة اللَّه عليكم، لم تُصدِّقوني في شيء إلاَّ في شتيمة نفسي»، رحم اللَّه أُستاذنا، فقد كان آيةً في الظرف، وهُو الذي علَّمنا، المُهمُّ ضاعت الحقيبة، «يا ويلي ويا سواد ليلي»، (30) عاماً ذهبت هدراً، وهكذا أخذتُ أجري كالمجنون من مكانٍ إلى آخر، حتَّى فرَّج اللَّه، فوجدتها لدى سُوبر ماركت كُنتُ قد مررتُ عليه عرضاً، وقد حرَّمتُ إخراجها معي مرَّةً أُخرى، وقرَّرتُ تصوير الأوراق بعد أن ماطلت (30) عاماً.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s