واحتمال الأذى..

كان الشيخ يتقعر في اللغة، ويغيب عن المعنى، ومعنى المعنى، يتوله، ويتأوّل، ويكاد أن يقول لنفسه: الله الله ربنا يفتح عليك يا شيخ، وكنا تلامذته ومريدوه، نحلق معه في عوالم من الفتوحات، يستغرقنا العجب من هذه التنزيلات التي تهبط عفو الخاطر، لكأنّ اللغة تخلق خلقا جديدا على يدي هذا الشيخ الذي أفنى عمره بين دفتين، يمتاح من هذه ويستف من تلك، ويصنع ثالثة من النسيج المشترك المنسلّ من أضابير الزمن في اجتهادات المجتهدين، ورؤى السابحين في الملكوت (فسلي ثيابي من ثيابك تنسل). قلت له ذات يوم: أتراك يا مولانا تعي ما تقوله؟ قال: ليس تماما، ولكنه يَطِيْفُ بخاطري كالحلم، أرى إشراقاته ولكنني عاجز عن الإمساك بها وتفحص مقاصدها، لأننا معا نحلق في الهيولى حيث اللغة لا تتعرف على الواقع، والواقع لا يفهم عن اللغة. قلت له: ولكنني أرى أن عيشك ومعاشك, وهي أمور من الواقع, تمضي إلى مستقر لها بلا عناء لكأنما بسحر ساحر. قال لي: يا بني، هذه أمور من شأن الخالق مع الخلق, أترى الطير يحلق في السماء قد ضمن رزقه بسجل مكتوب؟ قلت له: لا، ولكنه يهتدي إليه بالحاجة والحركة والأداة. قال: ألم تسمع بقول الشاعر: كل من في الوجود يطلب صيدا غير أن الشِّباك مختلفات قلت له: نعم، ولكن هل ترى هذه الشباك بعدد النفوس تشكل شبكة واحدة تتفاوت فيها حظوظ المخاليق، ولكنها تفي بالضروري لأقلهم حيلة، على أن بحوزته من الحظوظ الأخرى كالصحة والسعادة وراحة البال والتوافق ما بين عقله ونفسه ما يعوضه عن بعض الحرمان وإن أمض لانشغال الناس بما لدى الآخر أكثر من الانشغال والعناية بما لدى الذات. أجابني: وهل تعرف الصحة إلا بالمرض والسعادة إلا بالتعاسة، والمأمول إلا في المفقود والبعيد النائي إلا بالقريب الأكثر نأيا. تساءلت: وهل يكون القريب أكثر نأيا؟ قال: نعم.. وهي حالة من حالات الغربة في المكان، حين تتكشف خفايا بعض النفوس “وقد يصحب الإنسان من لا يشاكله”. وقد يتزيا المرء في غير نسبة وقد يصحب الإنسان من لا يشاكله قلت له: لقد مررت بحالة مفجعة من هذا الصنف مع قريب ناء، لم أكتشف أغواره إلا بعد أن أصاب مني مقتلا، قال: وكيف ذلك؟ قلت: لبد كما تلبد الحية وتحين الفرص ونقاط الضعف العاطفي، ثم أقدم على عمل غادر لم يكن أبدا مضطرا إليه وإلا لعذرته، ولكنه الطبع حين يغلب التطبع ولذلك نقول “ما جدير بي حنش في جيبه” لأنه حتما سيلدغك في يوم من الأيام. قال لي: انسَ يا بني فإنك بالتذكر الدائم تزيد أساك أسى. قلت: يا ليت الفعل يأتي من الكلام، وإنما المسافة شاسعة بين أن تعقل وأن تفعل, هل يباع النسيان في الصيدليات يا مولانا؟ قال لعلك واجد ما يباع إذا أخلصت النية: واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تضوى به الأجسام قال: أوقد بلغ الجرح مشاش العظم، قلت له: أخشى أن أقول: نعم، قال، تجمل إذن ولا تظهر الجزع، فنصف العافية تأتي من الصبر، والنصف الآخر من التوكل. شكرته وأطياف اللغة تطير بي على بساط مسحور, وخرجت من عنده لا أدري إن كنت قد شفيت نفسي أم أنني ازددت مرضا.

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s