العدالة المتأخرة ظلم …

تعد مشاكل الأراضي الاستثمارية لشتى الأغراض بين أعقد التحديات التي تواجه الدولة وأجهزتها والمستثمرين الذين قُطعت لهم تعهدات، وخصصت لهم حيازات، والقبائل التي كانت مطمئنة في البراري والصحاري تأكل من حيث تصل أيديها ثم فوجئت بحراك كاسح فيما تعتبره حرمها أو نطاقها الحيوي مصحوباً بأحاديث عن ثروات قادمة تتحول معها حبات الرمال إلى ذهب، إضافة إلى بسطاء المواطنين الباحثين عن قطعة أرض صغيرة للسكن، المشكلة الكبرى تتركز في المحافظات الجنوبية حالياً، وقد تنتقل بحدتها إلى المحافظات الشرقية، فهذه المحافظات عموماً لديها مساحات هائلة من الأراضي غير المستغلة، وسكانها لم يستوعبوا بعد مسألة أراضي الدولة وملكياتها، هذا ولم نتمدد بعد على شواطئ البحار التي تنتظر دورها حالما تصلها طلائع البنية التحتية. روى لي مستثمر كبير مؤهل ومجرّب وجاد وعقله “يوزن جبل” أنه كلف إحدى الشركات لمسح مخزون المواد الخام في منطقة واعدة لإنشاء مصنع وطني للأسمنت الذي لم تعد أهميته تقل عن البترول في ظل ثورة الإعمار التي تجتاح العالم، ناهيك عن الحاجة الوطنية الملحّة، خلاصته… الدولة ما قصّرت، وقالت له تفضل على الرحب والسعة وفق قوانين الاستثمار التشجيعية فيما يتعلق بالأرض، وبعد فترة أخذت وفود المنطقة من الأهالي تترى عليه، فهذه أرضهم حسب فهمهم وليست للدولة إلا من باب الكر والفر، قال لهم: “فلننس موضوع من يملك الأرض، ودوعني أشرح لكم ما سينالكم من نصيب، سننشئ لكم مدارس، وجامعاً، ومشروع مياه، وجمعيات خيرية، ومستشفى، ولكم أولوية في الأعمال التي تقدرون عليها أو نؤهلكم لها، يعني با نقسم الخير، ولكلٍ نصيب بعدما تأخذ الدولة حقها”. فكروا بالأمر ثم عادوا يطالبون بنصيب نقدي من الأرباح، وبأن يشرفوا على الدخل والخرج، وبأن لا يتم أي توظيف إلا بموافقتهم، قال لهم اعطوني فرصة للتفكير “وهي مكة وأنا سعيد اليهودي”، فأمر على الفور بترفيع معداته وخيامه لأن مستوى الأخذ والعطاء يدل على بون شاسع بين جمل يريد أن يعصر، وىخر يريد أن يأكل العصارة، وغذا غضب على الجمل العصار فقد يعقره. ومثل قصة الدجاجة المشهورة التي كانت تبيض ذهباً، فظن صاحبها المغفل أن ذلك الذهب موجود في مخزن ببطنها، فذبحها وكانت القضة.
انزعجت الجهات الراعية اليت مالها ناهية، وقالوا سنحضر للمشروع كتيبة مسلحة “وابن أمه الذي يشوف أنه قوي يتفضل يعطل العمل” قال لهم يا اخواني أنا جيت أشتغل، ما جيت أقاتل، ولم البلاء وأرض الله واسعة، ذهب إلى منطقة أخرى قريبة، وتحدث إلى شيخ القبيلة، ففرش له الرداء، وقال له على الرحب والسعة وساعة مباركة، لم يشترط أي شيء، وإنما رأى بثاقب بصيرته – وهو البدوي البسيط – أن وجود مشروع بهذا الحجم وبهذه النوعية وبتلك الكفاءة المشهودة عن مجموعة المستثمرين سيكون فيها الخير للجميع. في المنطقة الأولى لم يكن هناك راس مسموع الكلمة، ولذلك كثر الجدل، وبرزت أوهام وأطماع، وقد كان انسحاب المستثمر – وهو الثاني للمناسبة – بمثابة صب الماء على نار متوقدة تحولت إلى رماد، وفي الجماعة لاثانية كان الرأس مسموع الكلمة، قوي الحجة مع أصحابه، وكانوا ودعاء، فنهض المشروع العظيم، ودبت الحركة، وما هي إلا سنوات إلا والإنتاج يملأ ساحات المخازن الكبرى، والأرض تخضر، والمنازل تقام على عجل، وقوافل الشاحنات تملأ الفضاء. كان عملاً حضارياً وبدعاً بمثابة إخراج الحي من الميت، فقد كانت تلك الجبال السوداء والجرداء منذ أبينا آدم ليس لها حتى أسماء تعرف بها، واليوم تبدو كملكة وضعت التاج على رأسها.
بالأمس تسلمت رسالة شكوى ممهورة من المواطن صالح علي الحريبي، الذي يمثل مجموعة من المستثمرين توافدوا من أمريكا والسعودية والآمال تحدوهم، بعد أن رأوا ما رأوه في بلدان المهجر من تشييد وعمرا، وصناعات وزراعات، وكيف أن التعاون يخلق المعجزات، فاشترط أرضاً في بئر أحمد خلف مدينة الشعب بعدن لإقامة مدينة المغتربين، واستكملوا كل الشروط الشرعية والقانونية من أقارب سكان المنطقة سعوداً إلى جميع الجهات القانونية التي تعد أذرعة الدولة، وبينما هم يعدون للعرس واليوم الموعود، برزت لهم جامعة عدن – حسب شكواهم – تبسط يدها وتسور تلك الأرض ضمن الحرم الجامعي بلا “إحم ولا دستور”، وأنا لا أريد أن استبق الحكم لأنني لم أسمع من الطرف الآخر، فقد تكون عيناه قلعتا، ولكن القضاء عام 2000 ثبت ملكية المغتربين، ووجّه أنه إذا كان هناك من ضرورات للمصلحة العامة فليكن ذلك وفق قانون الاستملاك للمصلحة العامة، وهذا يعني الشراء إما التعويض… عين عدل، المشلكة الآن هي في حوار الطرشان، وإضاعة الزمن الذي يقال عنه أنه من ذهب، فتسع سنوات من الجهد الضائع دون الحصول على نتيجة أو تنفيذ حكم قضائي أو إجراء تسوية متفق عليها، تحوّل ما يقال عن التسهيلات والمزايا والإغراءات الاستثمارية إلى ورق “بله واشرب ميته”، من نوع التي غنى لها محمد عبه “ويش أسوي بالورق”، طبعاً بعد أن ذاب القلب واحترق… ويا أخواننا يا من قلوبكم على الاستثمار، لا تتركوا الأمور سداح مداح، فالعدالة المتأخرة ظلم وأيّ ظلم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s