ألف باء …

الإقتصاد هو المهمة الأولى للحكومات، والباقي تفاصيل، والحكومة التي لا تفهم هذه البديهية يكون مثلها كمثل من يسبح في المحيط دون أن يعرف الإتجاه نحو الشاطئ، لذلك فإنه مهما حاول البقاء طافياً فإن مصيره الغرق.
كثيرون – عن نوايا حسنة أو خبيثة – يحاولون إشغال الحكومة ووزرائها بقضايا جانبية واستحقاقات لم يحن أوانها ومسائل تخص غيرها ممن لديهم الأهلية والفراغ لكي ينظروا و ينظّروا، وما أكثر المنظّرين الذي يلعبون من المدرجات وهم لا يفقهون ألف باء اللعب، وإذا فقهوا فإن تأهيلهم لا يساعدهم حتى لو أرادوا التشديد على هدف فارغ إلا من الشباك الفارغة.
هذا الإبتلاء العظيم بكفاءة الحناجر يحتاج إلى حزم وليس إلى مجاملة ومداراة، ذلك أن الوقت الذي يهجر في الأخذ والرد مع من لا يعلم هو ضياع لزمن كان يمكن أن يكون منتجاً ومجدياً، وله عائد ملموس، أضف إلى ذلك أن العيار الذي لا يصيب يشوش التفكير، وقد يربك الإتجاه، ومتى ما كانت الحكومة “سداح مداح” تفتح أذنيها كأذني الفيل لكل شاردة وواردة فقل عليها السلام، ذلك أن الساعات الأربع والشعرين لن تكفيها لتحضير الإجابات ولو كانت على طريقة لغة الإشارات للصم والبكم، فأين حقها في التأمل والدرس والإسقصاء ووضع الخطط ومتاعبة التنفيذ ومحاسبة المقصرين وقياس النتائج وضبط القوانين التي يحاول كل ذي ساقين طويلتين أن يقفز من فوقها كما تقفز الأحصنة فوق حواجز السباق. الإقتصاد نسيج متقين بلحمته، وسداه لا يحتمل التجريبية البتراء، وعالم اليوم يتحرك حول هذا المحور، وجميع السياسات تصب في نهره، وقد تابعنا تحرّك هيلاري كلينتون تجاه الصين التي تملك احتياطيات تقدر بترليوني دولار، وهي أكبر مقرض في العالم للولايات المتحدة، لقد أخذت السيدة كلينتون تدللهم في بكين وتمنيهم الأماني وتقول لهم: “نحن وأنتم فقط يمكننا إخراج العالم من المأزق الخانق”، وهو نوعٌ من الترويض الإقتصادي يشبه ترويض النمور في السريك. الصينيون الذين اختاروا الإقتصاد وهجروا السياسة عبر الكتاب الأحمر والشعارات الجوفاء، سعداء بالإطاراء، لا لأنهم بحاجة إليه، وإنما لأنه يؤكد لهم حسن الخيار وجودة الأداء، وهم كمقرضين يدركون لهفة المقترض، ولكنهم بالأدب الجم لا يريدون إحراجه، ولا يريدون استعداءه أو إثارة جسده، فما من حاسد إلا من غني مفلس تجاه غني صاعد يلعب بأمواله فيحولها إلى مغانم في النفوذ والطاقة والمصادر الأولية، وإلى سمعة حسنة فارقت أمريكا أيام حكم الكاوبوي. يدرك الصينيون أيضاً أن العالم لا ينظر إلى أشكالهم ولا إلى ملابسهم، وإنما يتطلع في جيوبهم وما يخشخش فيها من الأصفر الرنان الذي يتجاوز مداه حدود البلاغة، ويتجاوز فعله مدى الصواريخ:
فهي اللسان لمن أراد فصاحة=وهي السنان لمن أراد نزالا
الحكومات العاقلة كالأب المسؤول، لا تفكر في اصرف أكثر مما تفكر في الكسب، وهي لا تعطي الخمسين حتى تأخذ المائة، على عكس المثل الذي يحلو للحرامية ترداده وربما سمعت عزيزي القارس عن اصطلاح “أموال دافعي الضرائب” في الدول الديمقراطية، إنه التعبير الأكثر مسؤولية عن المال العام ومصارفه الشرعية، وكيفية إدارته وإدامته لحياة الجماعة، فمال الدول الذي سماه المسلمون “بيت مال المسلمين” هو جهد الناس وعرقهم ومدخراتهم الوطنية، وقوام مستقبلهم، فإذا قام عليه من لا يعرف حقوقه جفت الأرزاق وطأطأت الأعناق، وأتذكر – ويا لهول ما أتذكر – في فترة لا أسميها وإن كانت معروفة لأنها ألصقت الجلد بالعظم، أن بعضاً من ساستنا – غفر الله لهم، إن كانوا مشمولين برحمته – قد اتخذوا الإقتصاد هزواً، وأخذوا المعاول يكسرون بها المنشآت القائمة والبنى الراسخة حتى قتلوا العصفور الذي باليد بانتظار العشرة التي على الشجرة، وقد حلقت بعيداً ورحلت فأصبحنا وأصبح الملك لله تعالى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s