رَحَلَ «الطَّيِّبْ» وَبَقِيَ «الطِّيْبْ»…

الطيب صالح
الطيب صالح

تُوفِّي أمس في لندن الأديب السُّوداني الأشهر «الطيِّب صالح» عن (80) عاماً قضى ثُلثها في التحصيل وقطاف عناقيد الثقافة من حُقول المعرفة ومُروج الآداب والتجوال في العوالم التي عشقها وسَحَرَتْهُ زُهورُها وطُيورُها وبناتُها وآلاؤها، وقضى الثُّلثين الأخيرين في مُواصلة الرحلة نفسها وإسعاد القُرَّاء بذخيرته الغنية وعطاءاته السخية في الرواية والقصَّة والمقالة الأدبية وأدب الرحلات ومُختلف فُنون القول الذي كان يندّ ويزهو بلُغةٍ مسكونةٍ بالسحر عَذْبَة الجَرْس شفَّافة المعاني عميقة الإيماء دُون تكلُّفٍ ولا تزلُّفٍ وإنَّما عفو الخاطر وبداهة السجيَّة وإسجاح الأريحية التي عُرف بها أهل السُّودان وجسَّدتها أعماله، فَمَنْ أراد أن يعرف رُوح السُّودان وأعماقه الثريَّة وتجلِّياته النبيلة في مُقاربة الحياة وتشرُّب الثقافة، ما غَبَر منها وما حَضَر، فليقرأ «الطيِّب» الذي ينحت من صخرٍ حين يُفكِّر مُتأمِّلاً، ويغرف من بحرٍ حين يُغمض عينيه، ويغوص في سحر الطُّفولة وألق الصبا وزخم الشباب واقتدار الرُّجولة، وتبدُّد العُمر في مهبَّات الرياح التي تطوي الإنسان طيّ السجلّ للكتاب، فيرحل قبل الرحيل ويتوه في المكان والزمان حتَّى لا يتبيَّن له وطناً ولا يعرف لنفسه سكناً، فيختار اللُّغة مثوى والحرف مأوى والقُرَّاء نجوى والفكر الخالص ملاذاً وسلوى.
«الطيِّب» نِسْمَةٌ عَطِرَةٌ في حياتنا كالربيع، ومُنذُ أن قرأناه في رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال» انعقدت بيننا وبينه عُرى صداقةٍ عميقة، ومُروج محبَّةٍ شاسعة، ووشائج ثقافةٍ مُمتدَّة، فقد جاءنا بالنيل السُّوداني محمولاً في مُهَجٍ من الحكايات الرائعة ووشائج من العلاقات الإنسانية الدافقة بلُغةٍ باذخةٍ بالغة الأناقة كأنَّها مكسوَّةٌ برقائق الذهب ومُضمَّخةٌ بالزعفران وأجود عُطور جزيرة العرب.
لَكَمْ كانت مُمتعةً شجيَّةً تلك الأسامير على صفحة النيل، حيثُ الحياة غافيةٌ في شبه حُلمٍ تتدفَّق من نُفوسٍ عَذْبَةٍ قانعةٍ بالقليل تتفيَّأ الظلال كأنَّها تتفيَّأ الجِنَان، وتقرّ أعيناً بالمقسوم، تستعذب الساذج من القول، وتتماهى مع الطبيعة، فيما البطل العائد من لندن قد استحكمه الفِصَام عقب اندفاعٍ حارقٍ لاختراق مُجتمعٍ مُغايرٍ بوسيلتيْ الإبهار والجنس.
كان الراوي يجد مُتعته وهناءه النفسي في مُجتمع طُفولته، الذي أعاد رسمه في الرواية عبر سلسلةٍ من اللَّوحات الرهينة المُشبَّعة بالحنين والشجن، تلك الرواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، التي قدَّمها إلى الجُمهور في الستِّينيات من القرن الماضي في القاهرة، الناقد اللاَّمع «رجاء النقَّاش»، وضعت الأدب السُّوداني الحديث في الصدارة، وقد تهافت عليها القُرَّاء ونال صاحبُها من الشُّهرة عن عملٍ واحدٍ ما عجز عنه كثيرون عبر عُقودٍ من الإبداع والنشر، وهذا إن دلَّ على شيء، فعلى أصالة العمل وسحر اللُّغة التي تُشبه لُغة «جابرييل غارسيا ماركيز» في رواياته البديعة، ثُمَّ إنَّ عالم السُّودان بدا مليئاً بالسحر والغرائبية، ولم يكُن معروفاً بوهجه الداخلي قبل كتابات «الطيِّب»، ذلك أنَّ أُدباء السُّودان قد أكثروا من التنويع على مواضيع الأدب العربي الكلاسيكي، خاصَّةً في تجلِّياته الشِّعْرِيَّة، ولم يُوغلوا كثيراً في مُجتمعهم وما يُقدِّمه من فُرَصٍ نادرةٍ للإبداع والكشف، لكأنَّ «الطيِّب» دلَّهم على هذا الكنز الأُسطوري الذي لا يزال ينتظر الرُّوَّاد بعده.
وقد واصل «الطيِّب» عقب روايته الأُولى، الإبداع في القصَّة والرواية، وإن كان عمله الأوَّل قد وَسَمَه بِوَسْمِه وارتهنه لاسْمِه، أبدع – أيضاً – في المقالات الأدبية، حيثُ ظلَّ على مدى عشر سنواتٍ يكتب في مجلَّة «المجلَّة» السُّعودية اللَّندنية، وكانت كتاباتٍ غير تقليدية، لأنَّها تمتحُ من نهر الحياة ونار التجربة وأصالة الثقافة المُتنوِّعة والرُّؤية الواسعة من خلال الأسفار، علماً أنَّه ما من نبعٍ يستجيب لشغف المعرفة مثل الترحال الذي اتَّسعت أمداؤه الآن، مع ضيقٍ في المُعايشة بسبب الألفة والعادة لدى الكثيرين ممَّن يُسافرون وكأنَّهم لم يُسافروا.
هام «الطيِّب» عشقاً بأشعار «المتنبِّي» وسيرته وقراعه للحياة والأحياء، ولم يَدَع فُرْصَةً تمرُّ للتعبير عن هذا الْوَلَه إلاَّ واغتنمها، وله سلسلةٌ من المقالات في «مالئ الدُّنيا وشاغل الناس»، ارتقى فيها إلى ذرواتٍ من التأمُّل واستكناه مواضع الجمال والجلال لدى أمير الشِّعْر العربي في كُلّ العُصور، وَلَكَمْ كُنتُ شغوفاً بما كتبه، رُبَّما لأنَّني أُشاطره ذلك الإعجاب وأنحو منحاه.
وداعاً أيُّها «الطيِّب صالح»، وسيبقى طِيْبُكَ ما بقي الحرف والقلم.

________________________________________

وُلِدَ «الطيِّب صالح» في قرية «دبَّة الفُقراء»، من إقليم «مروى»، شمال السُّودان، عام 9291م، ولعلَّ الفُقراء – كما أُخمِّن – من جماعات الدراويش المُنجذبين إلى عوالم الأسرار والأنوار والإلهامات، التي يُجاهد أصحاب الطُّرق الصُّوفية المُنتشرة في السُّودان للولوج في تجلِّياتها وإغرائها وتنزُّلاتها الإلهامية، وقد يتزيَّنون بالفقر وسجاياه وإشاراته ورُسومه تطهُّراً وتعبُّداً وتماهياً بين المرئي وغير المرئي، ممَّا يُرى بالقلب وليس بالأعيان، ولعلَّ الراحل الكبير، الذي قضى طُفولته وحداثته مع قبيلة «الركابية»، التي ينتمي إليها، قد تشرَّب هذه الأجواء وانعكست في مراياه الوجدانية، فسكنته في مراحل الإبداع الأُوروبِّيَّة بدلاً من أن يسكنها في ديارها، لقد كان «الطيِّب» في أعماله الاستذكارية ونبشه المُتفنِّن في أغوار النفس، يُجسِّد الوجه الآخر للعالم الشِّعْرِيّ الذي اشتغل عليه مُواطنه «مُحمَّد الفيتوري»، وكتابته في الحقيقة تنتمي إلى السرد الشِّعْرِيّ بامتياز، وَلَكَمْ تخيَّلته كصاحبه جوَّاب الآفاق :
«في حضرة مَنْ أهوى
عَصَفَتْ بي الأشواقْ
غنَّيتُ بلا صوتٍ
ورقصتُ بلا ساقْ
وحملتُ طُبولي وراياتي
في كُلِّ الآفاقْ»
إنَّ «مُصطفى سعيد»، بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، التي صُنِّفت من قِبَل مائةٍ من كبار الكُتَّاب ينتمون إلى (45) بلداً، بين أفضل مائة روايةٍ في التاريخ الإنساني، هُو ذلك الجوَّاب الذي حمل بين جوانحه شُموس أفريقيا وغُموضها السحري وطُقوسها الأُسطورية إلى جليد لندن ونواديها الارستقراطية صارمة التقاليد، ولم يشعر بالدُّونية أو يقبل بأن يُوضع دُوناً، فعمد إلى كسر المُحرَّمات المُوجعة، والتعبير، شرقياً، عن انتصاراتٍ تعقبها الحسرة والندم الحارق والارتداد إلى ما كان برئياً وتلوَّث، لكأنَّ المرء يشرب رُوحه ويتجرَّعها حتَّى الثمالة، وهذه رمزية الاحتدام، ورُبَّما التفاني بين الثقافات المُختلفة، ولا أدري لماذا ألحَّ عليَّ «نزار قبَّاني» في أبياتٍ من قصيدته التي وردت نفس الموارد، وإنْ من مُنطلقاتٍ مُغايرة :
«لم يبقَ نهدٌ أسودٌ أو أبيضٌ
إلاَّ ركزتُ بأرضه راياتي
فصَّلتُ من جلد النساء عباءةً
وبنيتُ أهراماً من الحلماتِ
واليوم تنتقم النُّهود لنفسها
وتردّ لي الطعنات بالطعناتِ»
أجاب «الطيِّب صالح» حين سُئل : «هل هُو حزين؟»، «أجل، أنا حزينٌ في داخلي، لكنَّني لا أدري لماذا، كُلُّ ما أعرفه أنَّ في داخل الإنسان بِرْكَةً واسعةً من الحُزن، ومُهمَّتي ككاتبٍ ليست النسيان، بل أن أتذكَّر، المُشكلة بالنسبة لي تذكُّر أشياءٍ نسيتها تماماً، إنَّ النسيان في الحياة العادية هُو مرحلة الألم العظيم».
هذا التنبيش في وسائل الأحزان التي تسري في الأعصاب، والتفتيش في تلافيف الدماغ، مُستودع الأشجان، هُو الذي يجعل من الكتابة مُهمَّةً عسيرة، لكنَّها في غاية الجاذبية لِمَنْ يملكون أدواتهم ويحتفظون بطُفولتهم ويُنمُّون أخيلتهم، ولقد كان هُناك شبه إجماعٍ على فرادة وصدقية أدب «الطيِّب صالح»، وقد كتب أوَّل مَنْ قدَّمه إلى القُرَّاء، الناقد «رجاء النقَّاش» : «تيقَّنتُ أنَّني، بلا أدنى مُبالغة، أمام عبقريةٍ جديدةٍ في ميدان الرواية العربية، تُولد كما يُولد الفجر المُشرق، وكما تُولد الشمس الأفريقية الصريحة الناصعة».
أمَّا الدُّكتور «علي الراعي»، المُثقَّف المصري الكبير، فقد قال : «مُنذُ نشرت (روايات الهلال)، (موسم الهجرة إلى الشمال) لـ (الطيِّب صالح)، ونحنُ في تحفُّزٍ كبير، الفرحة والدهشة تغمرنا : أين كان (الطيِّب صالح) مُختبئاً طوال هذا الوقت».
الدُّكتور «يُوسف إدريس»، الشحيح عادةً في الثناء على مُجايليه ومُنافسيه، قال : «لا يُمكننا الحديث عن الرواية العربية دُون أن نذكر (الطيِّب)، إنَّ هذا الفنَّان العظيم كان ولا يزال أمل النهضة للرواية العربية، بل إنَّه الإضافة والتطوُّر فيها».
لقد كتب «الطيِّب» إلى جانب «موسم الهجرة إلى الشمال» : «ضوء البيت»، «دومة ودّ حامد»، «بندر شاه»، «مريود»، «منسي» و«عرس الزين»، إضافةً إلى مئات المقالات.
ونُلاحظ من مُجرَّد الأسماء، استلهام البيئة السُّودانية والتوغُّل فيها، وهذا بالضبط هُو ما رفعه إلى مصاف العالمية، لذا يقول عنه المُستعرب «رُوجر آلن» : «نجح (الطيِّب) في أن يخلق بأعماله عوالم حملت للقُرَّاء رُؤيةً بالغة الخُصوصية لتأثيرات عملية التغيير الدائمة والمُفيدة في ثقافات أفريقيا» … وداعاً.

 _____________________________________________
عاشق الأستاذ 21-2-091

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s