فضل النقيب والكتابة الصحفية الراقية- مقالة (من يهن .. !!) نموذجًا

بقلم: د. سالم عبد الرب السلفيّ

في صورته القديمة على صفحة «الأيَّام» كنت أرى في عينيه عينيَّ، وكنت أجد في كتابته ما أريد أن أكتبه، وكنت كلَّما هممت أن أرى رؤيتَه أعجزتْني البصيرة، وكلَّما هممت أن أكتب كتابتَه خذلتْني الكلمات.. ذلك هو الأستاذ فضل النقيب صاحب القلم المتميِّز في صفحة «الأيَّام» الأخيرة، وإنِّي لأعرف أناسًا لا يبدؤون بقراءة «الأيَّام» إلا من صفحتها الأخيرة!

د. سالم السلفي
د. سالم السلفي

لا أعرف فضل النقيب إلا من كتابته، تلك الكتابة الصحفيَّة الراقية التي تتَّسم بقدر عالٍ من الحِرَفية والجمال، وهو أمر يعزُّ وجودُه في الكتابة الصحفيَّة اليوم. وهذا مدخل مهمٌّ لنقد النص؛ لأنَّه مدخل يجمع بين معرفة النصِّ معرفةً جيِّدة وعزْلِه عن محيطه الخارجيّ، بحيثُ يصبح وعيُ الخارج منوطًا بوعي الداخل من خلال تحليله نصِّيًّا.

كيف يمكن أن نضبط مفهوم الرُّقِيِّ في الكتابة الصحفيَّة، حتى لا يكون مجرَّد حكم ذوقيٍّ اعتباطيّ؟ إنَّنا في حاجة إلى مقولات علميَّة وأدوات منهجيَّة تحدِّد لنا هذا المفهوم. وأنبِّه بادئ ذي بَدْءٍ أنَّ حكم الرقيِّ على كتابة فضل النقيب جاءت بعد قراءة نصوص كثيرة له وتحليلِ نصٍّ واحد منها هو نص (من يَهُن ..!!)، فهو حكم بَعْديٌّ لا قبليّ.

مفهوم الرقيِّ والكتابة الراقية

الرقيُّ لغةً: الصعود، فهو أمر حسيٌّ، ثم تطوَّرت دلالتُه مع الزمن حتى صار في الاستعمال الحديث والمعاصر معنويًّا يمكن للأشياء المعنويَّة أن توصفَ به فنقول: «ذوق راقٍ» و«خلق راقٍ» و«تعامل راقٍ» و«كلام راقٍ» و«أدب راقٍ»، فصار في الاستعمال المعاصر معادلاً للعلوِّ في الاستعمال المتقدِّم.

وفي هذا الإطار أفضِّل استخدام لفظ (الرقيّ) على لفظ (العلوّ) لما ينطوي عليه الرقيُّ من ديناميكيَّة، فهو حركة حثيثة ومستمرة للوصول إلى المكانة العليا، كما أنَّه يتيح لأكبر قدر من الراقين التنافسَ في درجات الرقيّ، فضلاً عن كونه ينطوي على حقيقةِ أنَّ الراقي قد تزِلُّ قدمُه فيسقُط أو يُجْهِدُه الصعودُ فيهبِط؛ أما العلوُّ فإنَّه ينطوي على معنى الثبات والجمود الذي لا يقبل بأيِّ شكل من أشكال التغيير، بحيث يكون الحكم بالعلوِّ ملزمًا للجميع، وهو حكم حدِّيٌّ لا يقبل إلا بثنائيَّة العالي والسافل، لا توجد بينهما منطقة وسطى، ومن هنا كان القدماء يصِفُون بعض اللغات بالعالية حتى لو كانت الأخرى أكثر استعمالاً، يقصدون بذلك إلى استعمال اللغة العالية وترك ما سواها.

والكتابة الصحفيَّة الراقية هي الكتابة التي تعبِّر عن الحياة اليوميَّة ولا تستعمِلُ لغتَها، بمعنى أنَّها لا تستعمل اللغة اليوميَّة التي يتحدَّث بها الناس عند نقلهم لخبر ما، ولا تستعمل لغة الصحافة الاعتياديَّة التي تقوم بتسجيل الأحداث ونقل الأخبار، فلغة الحياة اليوميَّة ينقصها كثير من المنطق والعقلانيَّة ويسودها الانفعال العفويّ، ولغة الصحافة الاعتياديَّة ينقصها الجانب الانفعاليُّ والعاطفة المتَّقدة. أما الكتابة الصحفيَّة الراقية فتتَّسم بالعقلانيَّة والعاطفة المتَّقدة والطابع الشخصيّ، فضلاً عن اتِّسامها بالجمال الصادر من قيم لغويَّة وبنائيَّة تفتقر إليهما لغة الحياة اليوميَّة ولغة الصحافة الاعتياديَّة.

وتضمُّ صحيفة «الأيَّام» كوكبة من أصحاب الكتابة الصحفيَّة الراقية، ومن أبرزهم وأنضجهم الأستاذ فضل النقيب الذي سنحلِّل نصَّه (مَن يَهُن..!!) المنشور في الصفحة الأخير من «الأيَّام» العدد (5579).

البنية الرباعيَّة

كلُّ المثقِّفين والمتعلِّمين في العالم العربيِّ توشك حرفةُ الكتابة أن تدركهم حينما يرون ما جرى ويجري في غزَّة، حتى إنَّ كلَّ واحد منهم يشعر أنَّه يستطيع أن يكتب قصيدة حماسيَّة أو مقالة مؤثِّرة أو خطبة مجلجلة، لكنَّ الذي يحصل أنَّ كثيرًا من هؤلاء يعجزون عن ذلك عند الكلمات الأولى، لماذا؟ لأنَّ الكتابة حرفة فهي في حاجة إلى مران ودربة، ولأنَّها في حاجة إلى مخزون هائل من المفردات والتعابير والنصوص السابقة.

تبدو الحرفيَّة العالية في نصِّ (من يَهُن..!!) في البنية الرباعيَّة التي أقيم عليها النصّ، فهو يقوم على أربع قطع نثريَّة تنتهي كلُّ واحدة منها ببيت شعريّ، وانعكست هذه البنية الرباعيَّة في العنوان فكان رباعيَّ التكوين (من/يهن/../!!). وعندي أنَّ الكاتب أوَّلَ ما فكَّر في كتابة مقالته هذه حضرت في ذاكرته الأبيات الشعريَّة الأربعة التي وجدها تعبِّر خير تعبير عن حال العرب في تعاملهم مع الوضع في غزَّة. والواقع أنَّ هذه الأبيات تلخِّص ما آل إليه العرب من ذلٍّ حتى صاروا كالموتى بل كالمعدومين، تهزأ بهم الأمم الأخرى. ويوحي الشكل الكليُّ للمقالة – من خلال تضاؤل حجم قطعها النثريَّة – بتضاؤل العرب وتلاشيهم من الوجود.

صراع الثنائيَّات

الحِرَفيَّة العالية يتحكَّم فيها العقل والمنطق، والنثر أقرب إلى العقل من الشعر. وقد بدأ الكاتب نصَّه بالعقل، لكنْ – ومع مرور زمن النصّ – انحلَّ عِقال العقل حتى غلبت العاطفة. وتجلَّى الصراع الدائر في البنية العميقة بين العقل والعاطفة في الصراع الماثل في البنية السطحيَّة بين النثر والشعر من جهة والخبر والإنشاء من الجهة الأخرى، وذلك على النحو الآتي:

1- الصراع بين النثر والشعر: قلَّ حضور النثر منحدرًا من ثلاثة عشر سطرًا إلى تسعة أسطر ثم إلى خمسة أسطر في كلِّ قطعة من القطعتين الأخيرتين، في حين ازداد حضور الشعر فارتفع من تسع كلمات إلى عشر كلمات ثم إلى إحدى عشرة كلمة في كلِّ بيت من البيتين الأخيرين. وكان الصراع بين النثر والشعر يعبِّر عن صراع آخر كان يعتمل في الذات الكاتبة، أقصد به الصراع بين الكلام والصمت، بين الإطناب والإيجاز، وهو ما نجد جرثومته في القطعة النثريَّة الثالثة حين يقول الكاتب في جملة قصيرة وحادَّة «الصمت أبلغ»، وبعد هذه الجملة بدأ النثر يقلُّ والشعر يزيد!

2- الصراع بين الخبر والإنشاء: كان الخبر طاغيًا في القطعة الأولى ولا وجود للإنشاء إلا على سبيل الرواية في قوله: «وينادي المنادي: لقد ظهر البلطجيّ وهراوته الأمريكيَّة في يده فاذهبوا إلى بيوتكم وأقفلوا أبوابكم عليكم».

ثم يظهر أسلوب إنشائيٌّ واحد في القطعة الثالثة في قوله: «أيُّها السادة»، ثم يظهر أسلوب الإنشاء في القطعة الثالثة بقوَّة من خلال تعدُّد الاستفهام في قوله: «ما الذي ستجترحه الأقلام أو تبدعه الكلمات في حقول الموت؟.. ماذا ستضيف الميكروفونات إلى أنَّات الثكالى وأشلاء الأطفال والأرض المحروقة؟!» وهو استفهام أراد به النفي ويُظهر شدَّة انفعال الكاتب، وفي القطعة الرابعة يظهر أسلوب الإنشاء من خلال النداء والأمر في قوله: «معذرةً يا غزَّة ويا أطفالَ غزَّة ويا نساءَ غزَّة.. قاتلوا لوحدكم».

تشعير النثر

يحاول النثر في هذه المقالة أن يجاري الشعر، فيمتح من خصائصه الأكثر بروزًا وهما الإيقاع والتصوير، وسأكتفي بإيراد الأمثلة. فمن مظاهر الإيقاع التسجيع «وهي ليست في حاجة إلى بيان لشدَّة وضوحها للعيان» «فأصبح الكبارُ صغارًا والصغارُ أصفارا»، والتقفية مع المماثلة «إنَّ الهزيمة يتيمة« «الصمم الأكيد والعمى الشديد»، والتجنيس الاشتقاقيّ «باطل الأباطيل» «حين يجدُّ الجِدّ»، والتجنيس شبه الاشتقاقيّ «يتشاتمون ويشمت بعضهم ببعض»، والتكرار بإظهار ما حقُّه الإضمار «معذرةً يا غزَّة ويا أطفالَ غزَّة ويا نساءَ غزَّة».

ومن التصوير ما كان بالتشبيه «كأنَّما هذه الأمَّة الممتدَّة من المحيط إلى الخليج قَبْضُ الريح وباطل الأباطيل» «محاسيبهم وجماعات المنافقين الذين يتلاشون كفقاقيع الصابون حين يجدُّ الجِدّ» «فترانا في شوارع المدن العربية وأريافها كالمجانين»، ومنه ما كان بالمجاز «النظام العربيّ … تعرَّى» «الهوان المستشري الذي … تعدَّدت أوجهه وكلَّما أوغل في دمائنا وشرايين كرامتنا أنبأنا أنَّ الآتي أعظم» «لا عزاء لشاربي كؤوس الذلّ» «حقول الموت»، ومنه ما كان بالكناية «الإمكانات الضخمة التي يجلسون عليها» «سننظر إلى وجوهنا في المرايا فإذا صدمتنا بسوادها الممزوج بدمائكم ستكسر كلّ المرايا ونرتاح».

التناصّ

ومن أهمِّ سمات النصِّ الذي بين أيدينا اعتماده المفرط على التناصّ، وهو إفراط لا ينتقص من قدرة الكاتب، بل يدلُّ على مخزونه الثريِّ من النصوص التراثيَّة والمعاصرة، ويؤكِّد قوَّة شكيمته في الكتابة فهو يورد كلَّ تلك النصوص مُذِيبًا إيَّاها في نسيجه المتفرِّد، ومحتفظًا بألقه الخاصّ.

ولما كانت القضيَّة المتناولة في المقال ذات أبعاد إنسانيَّة وإسلاميَّة وقوميَّة فإنَّ التناصَّ أخذ نطاقًا واسعًا، فبدأ بالبعد الإنسانيِّ فذكر حادثة هيروشيما بكلِّ أبعادها المأساويَّة؛ لأنَّها الحدث التاريخيُّ الأبرز الذي يتقاطع إنسانيًّا مع حادثة غزَّة.

ثم كان البعد الإسلاميُّ الذي تجلَّى في النصِّ القرآنيّ، وهو أكثر النصوص قربًا إلى طبيعة الموضوع المتناول، لكنَّ المهمَّ هو أنَّ الكاتب أدخل النصَّ القرآنيَّ في نسيج كتابته بحيث لم يكن مجرَّد شاهد قرآنيّ. من ذلك قوله: «وكأنَّ تلك الهويَّة التي يستحقُّها العرب في عامهم الجديد جزاءً وفاقًا على نكوصهم»، وقوله: «وغدًا عندما يتحدَّث التاريخ وتروى الحقائق وتنجلي المواقف ستسودُّ وجوهٌ كثيرة وتبيضُّ وجوه قليلة»، وقوله: «جاء العام الجديد فدخلنا معه النفق المظلم والدرك الأسفل من الهوان»، وقوله: «قاتلوا لوحدكم إنَّا ها هنا قاعدون»، وقوله: «وبما رحمةٍ من الله نفقد كلَّ ذاكرة حتى لا نعلم من بعد علم شيئًا». وكلُّ هذه النصوص تتداخل مع نصوص قرآنيَّة تتَّصل بمواقف العذاب والعقاب والنفاق والخذلان.

أما البعد القوميُّ فقد تجلَّى في حضور الشعر – ديوان العرب – حضورًا فاعلاً في بنية المقالة، وقد أشرنا إلى ذلك قبل، فلا حاجة إلى الإعادة، ولكنِّي أكتفي بإيراد الأبيات هنا وأختم بها؛ وَخْزًا للضمير العربيّ:

– من يَهُن يسهلِ الهوانُ عليه

ما لجرح بميِّت إيلامُ

– لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا

ولكنْ لا حياةَ لمن تنادي

– إنّي لأفتحُ عيني حينَ أفتحُها على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا

– أغايةُ الدين أن تحفوا شواربكم يا أمَّةً ضحكتْ من جهلها الأممُ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s