أخطاء تشبه المقامرة…

كلمات العنوان ليست من عندي، فقد صك هذا التعبير – الذي يتسع لمعان شتى، وينفتح على احتمالات بعضها تحقق وبان بعضها الآخر لما يزل في طي الكتمان – الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق، والأب الروحي لتجربة تنموية رائدة على مستوى العالمين الإسلامي والثالث، وهي التجربة التي أكسبته الإحترام اللائق به كمفكر مستنير، وقائد ميداني، وحكيم وفق بحنكة وبعد نظر بين مكونات ماليزيا التي تشمل الغالبة الملاوية من سكان البلاد الأصليين، والأقلية الصينية الكبيرة المسيطرة على التجارة والإقتصاد، والأقلية الأصغر من الهنود الناشطين في الزراعة بحكم تراتيبيّتهم في الإقتصاد الماليزي، حيث عملوا منذ البدء في استخلاص واستحلاب سائل أشجار المطاط من الغابات التي تعد إحدى رئات العالم، ومن لم ير غابات ماليزيا فلا يظنن أنه قد أحاط بمنظر الجمال الطبيعي وجنان الأرض التي تجسد أعظم أوركسترا تعزفها الأمطار التي تتدفق كالشلالات من السماء، وتتجاوب معها الأرض بتربتها الغنية، وخزاناتها الطبيعية، وتعبر عنها تلك الغابات المترامية من الإخضرار الذي يطغى على كل لون، عدا ما ينسجه هو في ربيعه وخريفه وصيفه وشتائه.

أما مناسبة تعبير “أخطاء تشبه المقامرة” فقد قال به مهاتير لتوصيف تعامل البنوك العالمية مع الأزمة المالية التي تعصف وتقصف الإقتصادات على امتداد الكرة الأرضية، مخلفة الدمار والتشوهات والركود والحروب الخفية وشبه المعلنة، لنتف ريش الأسواق واقتناص ما تيسّر من الفرص.

وفي رأي مهاتير أن الأزمة كان من المفترض أن تقع منذ وقت طويل، ولكن تم التغاضي عنها رغم وجود مؤشرات لحدوثها مع إفلاس شركة إنرون للطاقة الأمريكية. من الذي غض الطرف؟ ومن أجل ماذا؟ لا شك أن إصبع الإتهام يتجه للإدارة الأمريكية التي يُفترض أن تكون أكثرَ إطلاعاً على ما يجري في أسواقها المالية، وأن تبادر إلى سد الثغرات قبل أن يتسع الخرق على الراقع، ويصبح الجميع في مهب الريح تحت رحمة قوانين السوق العمياء التي يمتطيها النصابون ومسوقو المشتقات المالية المضروبة، وحيث تنصب الفخاخ للمليارات القادمة من خلف البحار، تصب في وول ستريت وبنوكها وصناديقها طلباً للأرباح من غير مظانها في عمليات الإنتاج والتجارة والإستثمار في العلوم وفي العلماء، وإنما هي أرباح مسمومة قد تأتي من مضاربات خارج الجملة العصبية الإقتصادية، ثم لا تلبث حتى تمتصها تلك المضاربات نفسها وتبخرها دون أمل في أن تعود إلى الدورة الإقتصادية، فالطيور التي ذهبت بأرزاقها من أموال المغفلين لا تخلف وراءها سوى العجاج وبعض الريش الطائر. وتتحجج الإدارة الأمريكية بآليات السوق التي يفترض أنها تصحح نفسها أولاً بأول، وذلك بطرد الفاشلين وتثمير الناجحين، ولكن هذه الفرضية تقوم على فرضية أخرى غير متحققة وهي شفافية السوق واللعب النظيف والرقابة على الأداء، مع تضبيط أجهزة القياس المحايدة حتى لا تغالط في الكيل وتطفف في الميزان، فتصبح مثل أعمى يقود بصيراً لا بصيرة له. أما الإدعاء باستحالة معرفة التطورات الإحتمالية، فهو لا يعدو أن يكون ذريعة تخفي تحت عباءتها الفضفاضة التطلعات غير المشروعة لشركات الأموال وبنوك الإقراض بدون ضمانات حقيقية كافية، وهنا ينطبق على الإدارة ما قاله الشاعر العربي:

إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة=وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

ويقول مهاتير – الذي ألقى كلمة الأسبوع المنصرم في ختام أعمال منتدى النافسية الدولي الثالث في الرياض – أن الأخطاء التي تشبه المقامرة تتمثل في تقديم البنوك لقروض لاتستطيع تأمينها عبر شركات التأمين، أو أي جهات أخرى، ونتيجة لهذا الفضل في نظام المصارف كان لا بد أن يتوالى سقوط القطاعات الأخرى كصناعة السيارات لأن البنوك حين تسقط للأسفل تجر الجميع خلفها.

ويخلص إلى أن باراك أوباما لن يكون قادراً على حل المشكلة دون إجراء مشاورات مع كافة البلدان المتضررة من الأزمة المالية، ذلك أنه من المستحيل أن يستطيع بلد واحد حل المشكلة لوحده سواء كان هذا البلد غنياً أو فقيراً.

هكذا وللمرة المليون يتأكد بالملموس أن التفرد بالقرارات وإقصاء الآخرين يقود إلى الطغيان وارتكاب الأخطاء المميتة خارج معطيات العقل الذي يقول عنه المعرّي

كذب الظن لا إمام سوى العقـ = ـل مشيراً في صبحه والمساء

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s