دَعْهُ يعمل دَعْهُ يَمرُّ..

دعه يعمل دعه يمر، هو الشعار الذي رفعته وعملت على هديه الرأسمالية الأوروبية الوليدة التي كانت مكبلة في ممالك أمراء الإقطاع وذلك حين  تطلعت للانعتاق وإطلاق ملكات الإبداع الخلاق لدى الفرد المسحوق ضمن عبيد الأرض، وكهنوت الكنيسة، وتسلط الملوك المتوجين وأنصاف المتوجين وأشباه المتوجين. وقد كان لهذا الشعار الموشى بكبرياء الحرية وشوق الإنسان إلى أن يكون ذاته، الأثر الكبير في بزوغ عصر التنوير وإعادة المربط السُّري مع العقلانية اليونانية في تراث فلاسفتها العظام أفلاطون وسقراط وأرسطو طاليس، الأمر الذي قاد بالضرورة إلى إشراقة الفلسفة الأوروبية التي طبعت العصر الحديث وفَصَلَت الكنيسة عن دولة القانون الوضعي، ما قننت للملكيات الدستورية وتوازن السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإطلاق الدساتير الحاكمة كمرجعية عليا وترويض عقل الإنسان ونزوعه المغامر ليرضى بحكم القانون ويستبدل بسلطة القوة الغاشمة، قوة السلطة المقننة على أن يتم ذلك في إطار من المساواة والفرص المتكافئة وآليات المشاركة وتداول السلطة، وحرية التعبير وصيانة وقدسية الملكية، وذلك بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، مع غَرس قيم العمل المثابر، واحترام التخصص وترقيته وإرساء حق التعليم وإشاعة الضمانات الاجتماعية للعيش بحد أدنى من الكرامة البشرية وذلك عبر التضامن الاجتماعي المتبادل.

وطبعا لم يتحقق كل هذا دفعة واحدة أو بمجرد إطلاق الصيحة أو تجيير القانون، فقد شهدت المسيرة الأوروبية تصدعات كارثية وحروبا قومية وأهلية واستغلالا فظيعاً للنساء والأطفال والعمال، ولكن التاريخ كان قد وقف على قدميه بدلا من السير على رأسه، فلم تَخْبُ شعلة الحرية رغم الرياح الهوجاء، ولم ينكسر الحقل أمام أوبئة الأسطورة والمطامع الشريرة لمن تعودوا مص دماء الآخرين، وقد تمكنت الشعوب بالتضحيات الجسيمة والتمسك بالحقوق المكتسبة ومقارعته الخارجية على القانون بإعادة خط السير إلى استقامته مرة بعد أخرى، وبذلك استحقت عن جدارة عطايا الحرية التي لا تعطى وإنما تؤخذ غلابا. أين نحن من هذه الأمثلة البشرية التي لن نستطيع اختزالها إلى سطور في منهج لا يعمل به أو شعارات تُرفع تُظهر ما يقنع وتخفي ما يفزع، وأين نحن من المعاناة المثمرة تسير على هدى, لا يشبهه هذا العناء الذي يعيشه والذي كلما التوى بنا أعادنا إلى نقطة الصفر.

وكم من آدمي طويل عريض إذا اختبر ظهر في صورة “حصان لابس بنطلون” وكم من حامل ألقاب وهو كالحمار يحمل أسفارا لا يعي ما فيها، وكم من سياسي مِطْنَاز يجر وراءه أكداسا ثقيلة من “الغرض المرض”، وكم من تابعٍ وراء كل ناعق، ليس له من الوعي إلا ما للكبش في قطيع، وكم من النخبة الذين يسايرون أوهام الجمهور وضلالاته ويلعبون على عواطفه موهمين الناس أنهم يؤدون رسالة، وهم في الحقيقة ابتلاء عظيم، ذلك أن الجهل الصريح يمكن فرزه، أما اللابس ثوب العلم والتطهر فهو كمن يؤدي الصلاة بلا وضوء ولا نية رياءً للناس لا تقربا إلى الرب. كنت أمس أقرأ خبرا في جريدة “الخليج” الإماراتية منسوبا إلى الأخ هشام علي الثور مدير عام حماية الآثار بالهيئة اليمنية العامة للآثار والمتاحف، وفيه أن وتيرة أنشطة مهربي الآثار والمخطوطات من بلادنا إلى حيث لا نعلم قد تصاعدت وأنه في خلال شهر ديسمبر الماضي 2008م قد تم إحباط تهريب ثلاثة آلاف قطعة أثرية متنوعة عن طريق منفذ “ميدي” بمحافظة حجة بينها مخطوطات إسلامية يمنية من المصاحف القرآنية وكتب الفقه و2800 قطعة من العملات الفضية والنحاسية لعصور إسلامية مبكرة. كما تم في مطار صنعاء ضبط 760 قطعة ومخطوطة بينها تماثيل حجرية وأوانٍ فخارية وأسهم وعملات فضية وبرونزية تعود إلى العصرين السبئي والحميري. هؤلاء الذين يحملون أسماءنا وجوازاتنا ويسيئون إلى موروثنا الحضاري يبيعونه بأبخس الأثمان وكأنما يستقطعونه من روحنا أين يمكن تصنيفهم وكيف يمكن توصيفهم وإخضاعهم لعدالة صارمة تناسب إجرامهم؟ علما أن ما وقع في يد الرقابة قد يكون نسبة ضئيلة لا تذكر مما أفلت وتسرب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s