نخوة «المُعتصم»…

«المُعتصم» باللَّه هُو «مُحمَّد» ابن الخليفة العبَّاسي الشهير
«هارون الرشيد»، الذي كان يغزو عاماً ويحجّ عاماً، وقد خَلَفَ أخاه «المأمون» وحكم
بين عامي 338 و248م، وهُو الذي هزم البيزنطيين واحتلَّ عمّورية حين نما إلى علمه
استغاثة امرأةٍ عربيةٍ تعرَّضت للمهانة في بلاد الرُّوم، فصرخت : «وا مُعتصماه»،
وقد خلَّد هذا المشهد التاريخي الشاعر الكبير «حبيب بن أوس الطائي»، «أبو تمَّام»،
في قصيدته الشهيرة التي مطلعها :
«السيف أصدق إنباءً من الكُتب
في حدِّه
الحدّ بين الجدِّ واللَّعبِ»
ومن الواضح أنَّنا، كعرب، في يومنا هذا، في سنتنا
هذه، في عصرنا التعيس هذا، الذي نتجرَّع غُصصه كـ «ناقف حنظل» – حسب تعبير «امرئ
القيس» – قد نسينا السُّيوف وفعلها، والدماء وحُرمتها، والأعراض وقُدسيتها، وأصبحنا
عاجزين عن تمييز الجدّ من اللَّعب والعدوّ من الصديق، والحرب من السلام، فصار أمرنا
إلى هذا الهوان الذي يُحاصرنا حتَّى في الأحلام، فلم نَعُدْ نحلم إلاَّ بما تحلم به
الأنعام من الأكل والشُّرب، وأن يتمَّ تسمينها لتُذبح، ولو غادرنا المجاز إلى حقائق
الواقع، لوجدنا المجاز يخجل من واقعه، والكلمات تفرُّ من ناطقيها باتِّجاه أيَّة
هوَّةٍ سحيقة، والأوصاف تنبذ الموصوف وتزدري جوهره المُزيَّف، وتودّ لو أشعلت النار
في القشّ المُسمَّى «أُمَّة».
لم يجد «أبو تمَّام» ما يبكي عليه في نخوة
«المُعتصم» وجُيوشه الزاحفة وراياته الخافقة وانتصاره المُدوِّي، وإنَّما وجد ما
يُحلِّق به إلى النُّجوم ويُرصِّعه في جبين التاريخ، فيسري عبر الزمان مثلاً لتطابق
القول والفعل، وهُو الأمر الذي نفتقده في دُولنا الراتعة في حدائق الشيطان، تُعين
على نفسها وعلى شُعوبها وتقتل ما يُفترض أنَّه مبادئها وأوامر ونواهي دِينها، وهي –
لتبلُّدها وما راكمه الزمن من هوانها وتعاستها – لا ترى غضاضةً في التعرِّي ليل
نهار وأداء الحركات المطلوبة لإظهار الخُضوع والتذلُّل كحيوانات السيرك المُروَّضة
التي يُشار إليها بالسوط، فتتقافز في المسار المرسوم لتحظى بتربيتٍ من يدِ سيِّدها،
فيطمئنّ بالها على أمنها ومعاشها.
حياةٌ لا تليق بكرامة البشر وإنسانيتهم
واستخلافهم في الأرض، وما غزَّة سوى الشاهد على الانهيار الأخلاقي المُريع، والآتي
أعظم وأوجع، وهُو ما لاحظه شاعرنا «عبداللَّه البردُّوني» مُنذُ سبعينيات القرن
الماضي في تنويعه على قصيدة «أبي تمَّام» وتحت عنوان «أبو تمَّام وعُروبة اليوم»
:
«حُكَّامنا إن تصدَّوا للحِمَى اقتحموا
وإن تصدَّى له المُستعمر
انسحبوا
هُم يفرشون لجيش الغزوِ أعينَهم
ويدَّعون وُثُوباً قبل أن
يثبوا
الحاكمون و(واشنطن) حُكومتهم
واللاَّمعون وما شعُّوا ولا
غربوا
القاتلون نُبوغَ الشعبِ ترضيةً
للمُعتدين وما أَجْدَتْهُمُ
القربُ»
هذه الرُّؤية المُستبطنة لِتَهَتُّكات الواقع العربي، والتي كانت آنذاك
في طور جنين، تتمُّ ترجمتها اليوم في مواقف خانعةٍ وتبعياتٍ مكشوفةٍ وتغطياتٍ
مُتعمَّدةٍ لما تتعرَّض له الأُمَّة من تكالب الأعداء، ذلك أنَّ جميع أوراق
القُوَّة العربية قد تمَّ حرقها، والإرادة السياسية جرى شلّها، ونحنُ الآن في مسرح
الدُّمى التي يُحرقها «أراجوز» من وراء الستار، لذا لم يتعرَّف علينا «البردُّوني»
:
«عُروبة اليوم أُخرى لا ينمُّ على
وجودِها اسمٌ ولا لونٌ ولا لقبُ
تنسى
الرُّؤوس العوالي نار نخوتها
إذا امتطاها إلى أسيادهِ الذَّنَبُ»
لكنَّ ذلك
ليس نهاية المطاف، ورُبَّما كان البداية، رغم السُّخرية «البردُّونية» البارعة
:
«ألا ترى يا (أبا تمَّام) بارقنا
(إنَّ السماء تُرجَّى حين
تحتجبُ)»

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s