السباحة على الرمل…

أصبح وقف العدوان على غزَّة أولوية الأولويات في ظلِّ حربٍ طاحنةٍ غير مُتكافئةٍ يدفع ثمنها المدنيون، وفي المُقدِّمة الأطفال والنساء، المكشوفون على سطح الأرض، أمَّا القيادات، فهي في حُصونٍ مُحصَّنةٍ تحت الأرض، إلاَّ أُولئك الذين آثروا الاستشهاد، فنالوه، فهُم عند ربّهم يُرزقون.

تُوجد مساعٍ لتحقيق هدف الوقف من الرئيس الفرنسي «ساركوزي»، ومن رئيس وزراء تُركيا، «رجب طيِّب أردوغان»، ومن الاتِّحاد الأُوروبِّي، ومن المجلس الوزاري العربي، الذي ذهب إلى نيويورك وهُو يعلم أنَّه يحرث شاطئ البحر، ومن رئيس السُّلطة «محمود عبَّاس»، الذي يُؤدِّي واجباً، رغم علمه أنَّه غير مُرحَّبٍ به من حُكَّام القطاع، وأنَّه لا رأي لِمَنْ لا طاعة له، كما كان يُردِّد الإمام «علي» – كرَّم اللَّه وجهه – في مُواجهة الخوارج، كما تبذل مصر جُهوداً مُقدَّرةً وعلى مضضٍ وسط سيلٍ من الاتِّهامات لها، مُعلنةً جارحةً ومُبطَّنةً أشدُّ نكاية، لكنَّها لا تستطيع أن تنفض يديها تماماً، فلا تاريخها يسمح ولا جُغرافيتها تُتيح ولا مجالها الحيوي يعفيها ولا التداعيات القادمة التي تبدو كقطع اللَّيل البهيم، يُمكنها أن تسمح لها بالنوم قريرة العين.

كُلُّ هذه الوساطات تُدير حواراً من نوع «المُونولوج»، مثلما يتحدَّث الإنسان إلى نفسه، لأنَّه لا يجد مَنْ يتحدَّث إليه، فإسرائيل، الطرف المُعتدي، الذي يتوجَّه إليه الخطاب ويُطلب منه وقف العدوان، أوَّل شرطها عدم تمرير أيّ اعترافٍ دوليٍّ بـ «حماس»، التي لا تعترف لها بوجود، والأُوروبِّيُّون أدانوا «حماس» بدُون تردِّدٍ ولا لبس، باعتبارها البادئ بتفجير الموقف الحالي بعد انتهاء التهدئة، أمَّا أمريكا، فإنَّها لا تكتفي بمُجرَّد إدانة «حماس»، وإنَّما تسعى إلى اقتلاعها من جُذورها، ورُبَّما كانت أكثر حماساً لذلك من تل أبيب، والشُّعوب التي تتظاهر ويهولها الدم المسفوك والقتل العشوائي، ليس بيدها ما تفعله أكثر من رفع صوتها بالاستنكار والإدانة، وذلك أضعف الإيمان، لكن، دعونا نُلقي نظرةً على جانب «حماس»، التي تبدو مسلوبة القرار، سواءً بسبب الموقف الدولي، الذي عزلها، أو الموقف العربي الغالب الذي حمَّلها مسؤولية تعطيل مُحادثات الوحدة الوطنية الفلسطينية وفرض عليها حصاراً من الصمت والمُمانعة وتركها تُواجه نتائج خياراتها طالما وهي لا تعرف سوى الأبيض والأسود، وقد جاء أداؤها القسم الجماعي قبل الحرب عقب مأساة حجز الحُجَّاج، وإعلانها الولاء لحركة الإخوان المُسلمين، ليرفع الشُّكوك المصرية إلى مُستوى المُواجهة السياسية، كما جاءت ضُغوطها ومُحاربوها في لُبنان وسُوريا وطهران لاتِّهام مصر بالمُشاركة في العدوان، نظراً لإغلاق معبر رفح، لتُوضِّح صُورةً جديدةً للاصطفافات والتحالفات في الشرق الأوسط، والتي كانت خجولةً فأسفرت، ومُراوغةً فنطقت وصرَّحت.

تبدو قيادة «حماس» في غزَّة برئاسة «إسماعيل هنيَّة»، لا حول لها ولا قُوَّة، إنَّها مُجرَّد واجهةٍ وليست عنواناً يُقصد للمُحادثات والحُلول، ومن دمشق يظهر «خالد مشعل»، الرَّجُل الثاني في «حماس»، لكنَّه ليس في الميدان، يرى الحرب رُؤية العيان، ويعيش مأساة أهله ويُقارن بين مسؤولية الحُكم وبين توقُّعات الناس، الذين يقول الثوريون دائماً إنَّهم البحر الذي تسبح فيه أسماك المُقاومة، فإذا جفَّ البحر ونضبت مياهه أو دماؤه، فكيف تكون السباحة على الرمل، أيُّها السادة، ومع ذلك هل القرار بيد «خالد مشعل»؟

الجواب – بكُلِّ أسف – لا، فَلَهُ شُركاء أقوى منه في دمشق وفي طهران وفي بيروت، وقد جاء «جليلي» الإيراني، الذي تسعى بلاده إلى إغراق إسرائيل مع الفلسطينيين، لتنسى إسرائيل، ولو مُؤقَّتاً، الملفّ النووي، جاء ليطمئنَّ على الأحوال بنفسه، وقد خرج بنتيجةٍ مفادها أنَّ مُناضلي غزَّة ليسوا بحاجةٍ إلى السلاح، وهل كان لديهم سلاحٌ حقيقيٌّ غير دمائهم؟

اللُّعبة مُعقَّدةٌ ومُمتدَّة، حتَّى وإن توقَّفت مُؤقَّتاً لأخذ الأنفاس، ذلك أنَّ البحر الذي تقصده السواقي، وهُو احتلال فلسطين، باقٍ كما هُو ينزف مُنذُ وعد «بلفور» وإعلان دولة إسرائيل 8491م وحتَّى الآن والغد!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s